فإن تتفق حركتا فتح وحماس في اسطنبول على ما سبق أن وعدا به في عواصم عديدة وتحت إشراف رعاة متنوعين، فذلك أمر جيد حتى لو كانت ثقة الفلسطينيين بجديته مهزوزة تعتريها الشكوك.

حتى الآن يبدو أن عجلة أخرجت بيان الاتفاق. لم يظهر قبل أشهر أن ما يجري من تواصل بين فتح وحماس ذاهب باتجاه الحل الوردي، بيد أن الإعلان عن اتفاقات السلم بين الإمارات وإسرائيل ثم بين البحرين وإسرائيل حركت لدى المتخاصمين الفلسطينيين بواعث مشتركة للاصطفاف بشكل حاد داخل تيار تركيا قطر إيران. غادرت قيادة السلطة الفلسطينية موقعها السياسي الوسطي داخل البيئة العربية، اتخذت موقفا سلبيا من جامعة الدول العربية، وذهبت باتجاه معسكر حركتي حماس والجهاد في المنطقة، بما يفسر صدور بيان الاتفاق في اسطنبول على أن تتم مباركته في الدوحة.

المصالحة الفلسطينية مطلوبة فلسطينيا وهي ضرورة أبجدية لبناء أرضية صلبة واحدة لمواجهة الاستحقاقات التي تمر بها القضية الفلسطينية.

والمصالحة الفلسطينية مطلوبة عربيا بما يزود البيئة العربية بموارد قوة في التعامل مع المنظومة السياسية الفلسطينية أو التعامل مع العالم دفاعاً عن القضية الفلسطينية.

والمصالحة الفلسطينية مطلوبة دولياً، ذلك أن الدول الصديقة لفلسطين والتي ما برحت تتخذ المواقف ضد صفقة القرن ومشاريع الضم، من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي انتهاء بالصين ودول أخرى، باتت مربكة في موقفها من حيث أن القضية لم تعد فلسطينية بل تخضع خلال السنوات التي تلت الانقسام لأجندات متعددة الهويات لا علاقة لها بالأجندة الفلسطينية الوطنية.

ولئن جاءت المصالحة العتيدة رداً على قراري الإمارات والبحرين في شأن العلاقة مع إسرائيل، فإنه حري الاستنتاج أن الحدث ولّد وعيا جديدا لدى الفلسطينيين بأن أولويات العرب تتغير وأن المشهد الدولي يتبدل على نحو يتطلب تموضعا فطنا يفترض أن ينزع من رام الله وغزة كل محرمات سابقة وهواجس ثابتة كانت تحول دون المصالحة بين فتح وحماس.

وقد يكتشف الفلسطينيون يوما، بعد أن تسقط عنهم نوبة المكابرة، أن ما صدر عن أبو ظبي والمنامة وما ظهر من أعراض في السودان وسلطنة عمان قبل ذلك وما يتوقع ظهوره لاحقا في هذا الصدد، قد أيقظ لدى الفلسطينيين الحاجة إلى تجاوز الانقسام الذي بات بنيويا شكل ستاتيكو الحالة الفلسطينية منذ أكثر من 13 عاماً.

غير أن سطورنا المرحبة بتلك المصالحة لا تتأسس على سذاجة تجعلنا نؤمن أن تلك المصالحة حقيقية لا رسائل إيرانية تركية قطرية داخلها. ففي المرحلة السابقة للانتخابات الرئاسية الأميركية يسعى هذا التحالف الثلاثي الظرفي غير المعلن أن يحسّن شروط تموضعه الإقليمي والدولي من خلال الإطلالة من خلال المنبر الفلسطيني. وعلى هذا تبدو الدول الثلاث ممسكة بالورقة الفلسطينية في حالة الانقسام وفي حالة المصالحة العتيدة على السواء.

قبل إيران وتركيا وقطر، استثمرت دول مثل سوريا وليبيا والعراق -بصفتها دول ثورية- داخل السوق الفلسطيني فأنبتت داخله الفصائل، وتولت رعاية أبو نضال الذي اغتال تنظيمه قيادات فلسطينية متجنباً الصدام مع المحتل، وراحت تشحذ همم الانقسام الداخلي مشتغلة على التنازع بين يمين ويسار وبين أهل تسويةٍ وأهل تصدٍ وصمود. في ذلك الوقت بالذات كانت دول الخليج تستثمر مالا ودعما وتأييدا لقضية فلسطين وقيادتها دون أي تدخل في شؤون البيت الفلسطيني ودون زرع أي ودائع سياسية داخله.

قد تبدو الذاكرة قصيرة في التعرف على من أحب فلسطين قضية ومن استثمر في فلسطين خدمة لمصالح أنظمة في إخضاع شعوبها وخدمة لمسلسل مزايدات مملة بين دول المنطقة. وقد تبدو الذاكرة الراهنة غائبة في تذكر أن السعودية أول من رعى مصالحة في 8 فبراير 2007 أقسم خالد مشعل في مكة أنها نهائية حقيقة قبل أن تفرض حسابات طهران ودمشق غير ذلك. وقد تبدو الذاكرة مرتبكة في حقيقة أن دينامية فلسطين أنها داخل حاضنة العرب بتعدد توجهاتهم وخياراتهم وأن لا دينامية لقضية يتم استعارتها داخل أروقة القرار لدى السلطان في أنقرة والولي الفقيه في طهران.

ربما يجوز السؤال هل كانت تلك المصالحة ستكون غائبة لو أن الإمارات والبحرين لم يذهبا إلى ما ذهبا إليه، وهل هذه المصالحة وما أفرجت عنه من مشاريع انتخابات تشريعية ورئاسية وثالثة للمجلس الوطني هي رهن نزق ظرفي قد يسقط قبل أن يجف حبر الاتفاق.

على أية حال تكشف التحولات الدولية أن على الفلسطينيين إعادة قراءة المشهد العام جيدا والبحث عن سبل خلاقة لمقاربة عالم يضغط باتجاه استئناف المفاوضات مع إسرائيل، فيما يفترض على العقل الفلسطيني أن يكون جريئا في التقدم بخيارات تأخذ جيدا بعين الاعتبار أن المصالحة -إن كانت حقيقية- فهي متأخرة ومتأخرة جداً وقد لا تكون كافية وحدها لإعادة تصويب البوصلة الفلسطينية باتجاه فلسطين.. فلسطين فقط.

بيد أن الأكيد هذه المرة أن لسان حماس يقول لمحورها الإقليمي: "لقد أتيناكم بفتح.. انتهت المهمة"!