فلو كان الشارع معترضاً لشهدنا ردود الأفعال في حينها من عموم الناس -باستثناء مؤدلجي الملالي والباب العالي، وثلة من المتعاطفين المزمنين مع النسخة الشعبوية الخيرية للقضية، التي ألبسوها لباس الدين لتغطية الحماقات السياسية والثورية المزمنة التي عانت وتعاني منها.

الحال ذاته ينطبق على من يضخم الضرر الإيراني، جاعلاً من دول الخليج عاجزة عن مواجهة إيران عسكرياً وتلجأ لمصالحة إسرائيل لتوحيد الجبهة ضد إيران. إذ رغم النجاحات الميدانية التكتيكية لإيران في الحرب بالوكالة والاشتباك الهجين، فإن الحرب اللاتناظرية هي في بعض الأحيان هروب للأمام من المواجهة المباشرة، وإقرار بالضعف لو وقعت.

ويعلم الإيرانيون تماماً ما حدث عند اختراق (خط فهد) في الثمانينات من القرن الماضي، وأرجو ألا يتهوروا لتجربة اختراقه مرة أخرى، من جراء الثقة الزائفة عند التدخل في الدول العربية المنهارة وعواصمها الأربع، لإثبات نجاح إسقاط القوة خارج الحدود للداخل الجائع المريض.

حكام وشعوب الخليج محبون للخير والسلام والبناء، محققون للأمن والرخاء والتنمية في بلدانهم، والرخاء مذ خلق نسبي ومؤقت، يسعى الكل لاستدامته، وبالمثل حققت إسرائيل ذات الرخاء وأكثر في التنمية لشعبها، فكان من البديهي أن تلتقي نماذج نجاح الحكم والمعيشة للتفاهم حول خير الحاضر والمستقبل، بعيداً عن الدول الفاشلة التي توشك على السقوط أو هي في الطريق إليه، لدناءة أنظمتها.

لقد نجح المزايدون على توجيه واستغلال الإنسان الفلسطيني، في الداخل والخارج، على (طروادة) قضيته العادلة، وتفخيخ جسده وقبله قناعاته بأن المزاج (الكاميكازي) هو طريق التحرير أو الجنة.

وحين كان الخليج ثغوراً لا عواصم فيه، وفقيراً يأكل من واحاته وبحره، لم يلتفت إليه أهل الظلال الوارفة في الشمال، لكنه لم يجد نفسه مجبراً على تذكيرهم بذلك، والخروج عن إيثاره الأصيل وإنكاره للذات رغم الجحود الأول، إلا عند تأييدهم لكارثة الغزو العراقي للكويت.

عزاؤنا في ذلك أن مصر التي ضحت بأفواج من أبنائها البررة ورئيسها - سابق عصره - أنور السادات، من تبعات الصراع، وتلقوا النكران والقطيعة من الفلسطينيين وجل العرب في حينها، لم تتوان عن الوقوف إلى جانب حق الإنسان الفلسطيني في الكيان الجغرافي والحياة الكريمة.

رواسب القيادات المعتقة، ذات البرجوازية الثورية، التي تسببت يوماً في شرارة دمار لبنان الذي ما زال يعانيه، لديها طموحات في لبننة كل الشرق الأوسط إذا حرموا من وضعيتهم المريحة معيشياً وأوضاعهم الشرعية ثورياً.

جميعهم مشغولون بملء فراغ أبي عمار، بل والتفوق على أخطائه، ومن ضمنهم الفريق الموقع على اتفاقية أوسلو، الذين يعلو صوتهم اليوم بازدراء الإنسان الخليجي الشهم، بادعاء أفضال تنموية هي في الأساس أعمال قدمها بعضهم وقبض راتبها واستقرارها، ورأتها شريحة منهم منة على الخليج، رغم كثرة الشرفاء والعقلاء فيهم، ممن يربؤون بأنفسهم عن التجني. نسأل الله تعالى أن يقيهم مصارع السوء من عقدة نيرون الحزبية.

الموقعون الأربعة على اتفاق إبراهيم أمامهم مهمة إثبات مفهوم المنفعة المتحصلة للإنسان الفلسطيني، بعد تحقيق المصالح المشتركة بينهم هم أولاً، إذ يترتب على ذلك تحرير الفلسطينيين من متلازمة الثنائية القطبية الحمساوية-الفتحاوية، والتي قادها الهلع من نهاية المتاجرة بالقضية إلى قصف حدود عسقلان بالصواريخ بعد توقيع اتفاق السلام بسويعات.

لقد انحصر العداء في أهله، في القيادات الفلسطينية وفصائلها المسلحة، ليعضوا آخر يد للعون تكاد تمتد إليهم، مصحوبة بالتزام إسرائيلي-خليجي مشترك غير مسبوق، وفقدان كوني للتعاطف إذا ما عدوا الجميع أعداء وسلكوا مسلك شمشون.