يصدم أكينجي النخبة القومية الشعبوية الحاكمة لتركيا، بالذات منهم قادة حزب العدالة والتنمية وزعيمهم أردوغان، الذين ينزاحون بالتقادم لمزيد من سياسات الهوية القومية الشعبوية، في الداخل التركي ومع دول الجوار. حيث يرفض أكينجي تلك التوجهات علناً، ويطالب برسم مسار آخر تماماً لدولته، بعيداً عن تلك الخيارات التركية تماماً.

شجاعة موقف أيكنجي تتثبت من كون دولة شمال قبرص التي يترأسها تُعتبر محمية عسكرية وسياسية تركية، فتركيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بهذا الكيان، بعد أن فصلتها عن دولة قبرص الموحدة عام 1974، عقب حرب سريعة خاضتها تركيا ضد القبارصة اليونانيين في تلك الجزيرة، بعد حدوث انقلاب عسكري في الجزيرة التي كانت موحدة وقتئذ، ومحاولة الانقلابيين إلحاق الجزيرة باليونان، مما دفع تركيا لغزو الشطر الشمالي عسكرياً وتقسيم الجزيرة إلى دولتين، تعترف دول العالم بالشطر الجنوبي فقط، بينما تعترف تركيا وحدها بالشطر الشمالي.

 قبل أيام قليلة، طالب إكينجي مواطني دولته بالتخلي عن عبارتي "الوطن الكبير" و"الوطن الصغير"، تلك التي تطلقها الأوساط القومية في تركيا ودولة شمال قبرص على كل من الدولتين، في إشارة إلى التبعية القومية لدولة شمال قبرص للدولة التركية. مقابل ذلك، فأن أكينجي يطرح أن تكون دولته كاملة السيادة على ذاتها، وأن تختار لو رغبت الدخول في اتحاد اندماجي مع الشطر الجنوبي من جزيرة قبرص، وأن يكون الشطران دولة واحدة ضمن المنظومة الأوربية.

قبل هذا التصريحات بأسابيع قليلة، كان أكينجي قد أعرب في مقابلة مع جريدة الغارديان البريطانية عن خشيته من قيام الجيش التركي بتحويل وجوده العسكري في دولته إلى احتلال مباشر، مشبهاً تلك التطلعات التركية بما مارسته روسيا بحق شبه جزيرة القرم. متهماً الرئيس أردوغان باتخاذ سياسة "الأم والرضيع" مع بلاده، التي قد تتحول إلى عملية ضم شاملة في أية لحظة. مذكراً بأن تركيا تريد زعيماً لقبرص الشمالية شبيهاً بـ"طيفور سوكمن"، الشخص الذي نصبته تركيا في ثلاثينات القرن المنصر زعيماً لجمهورية "لواء الإسكندرونة" في ظل الانتداب الفرنسي، إلى أن ضمت اللواء كاملاً فيما بعد، عام 1939، وأنهت أية خصوصية سياسية أو اجتماعية كانت تتمتع بها تلك المنطقة، والتي ما كانت تشبه تركيا في الكثير من المجالات.

لا تصدر تصريحات أكينجي عن نزعة مناهضة للقومية أو الدولة التركية، بل من رؤية سياسية شديدة الوضوح، ترى بأن أفضل العلاقات بين أبناء الأرومة واللغة والدين الواحد، من أتراك تركيا وأتراك شمال قبرص، يمكن أن تنتج فقط عن حرية واستقلال كلا الكيانين عن بعضهما، لا عبر أدوات النفوذ السياسي والسيطرة العسكرية والهيمنة الرمزية القومية التي تمارسها تركيا تجاه بلاده.

فوق ذلك، فأنه يرى فروق سياسية واضحة بين المجالين، لا يمكن دمجهما. فبينما تتجه دولة شمال قبرص، لأن تكون مجتمعاً وكياناً سياسياً ديمقراطياً ومدنياً وعلمانياً ومراعياً لأسس التنوع، وطبعاً منخرطاً في منظومة الاتحاد الأوربي، فأن مسارات الحياة السياسية والاجتماعية التركية تظهر مزيداً من التوتر وهيمنة النخب المحافظة وعسكرة الحياة العامة وتراجع القيم المدنية والمؤسسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. 

بقول مقارن، يشكل أكينجي المضاد السياسي التام لأردوغان، بالرغم من انحدارهما من نفس الجيل السياسي، وشهرتهما التي تأتت من رئاسة البلديات الكبرى، أردوغان الذي ترأس بلدية اسطنبول (1994-1998)، وأكينجي ترأس بلدية نيقوسيا (1976-1990). لكنهما مختلفان جذرياً في كل تفصيل.

فبينما تميل النزعة الأردوغانية للإيمان بأولويات الاستراتيجيات التوسعية، المتأتية من خطابات ومخيلات الإسلام السياسي، المتخمة بالتصورات والأوهام الإمبراطورية، أياً كانت الأثمان والآلام التي قد تدفعها المجتمعات المحلية في دروب تلك "الأهداف"؛ فأن أكينجي أكثر قرباً لمنطق القادة الديمقراطيين الأوربيين، بالذات منهم المتأتين من قوى يسار الوسط، الذين يركزون على تقديم المزيد من الخدمات المحلية والتنموية والتعليمية لمجتمعاتهم، والتخلي عن السياسات والنزعات اليمينية الغوغائية، التي ما حققت شيئاً قط.

 فأكينجي منذ تأسيسه لحركة السلام والديمقراطية عام 2003، يؤمن ويدعوا لربط مصير القبارصة الأتراك بنظرائهم من القبارصة اليونانيين، عبر تقديم تنازلات متبادلة لبناء قبرص الواحدة الحديثة، التي ستتيح فرص حياة تؤمن سلاماً اجتماعياً واقتصادياً دائماً لمواطنيه، لا تشبه دومة الحروب والتوترات والصراعات التي تفرزها نزعات الروح الإمبراطورية، دون أن يكون لها أي مردود قط.

 كذلك فأن إكينجي يعطي الأولوية في سياساته لمسائل حقوق الإنسان والمساواة الجندرية وحماية البيئة، على عكس توجهات أردوغان، الذي يزداد تحالفاً مع الجيش والقوى اليمينية المتطرفة، قومياً ودينياً، وبالتالي المزيد من نكران الاعتبارات الحقوقية وقضايا المساواة القومية وتكرس قيم الذكورة والعنف السياسي والاجتماعي.

كانت مناهضة أكينجي للعملية العسكرية التركية الأخيرة في سوريا "نبع السلام" أكبر تحدٍ في ذلك المنحى، فقد أعتبرها حرباً ستفتح شلالاً من الدم والتهجير واقتلاع السكان، بالذات من أبناء القومية الكردية. مما جر عليه حملات تخوين وتهديد رهيبة، حتى من القوى السياسية التي تعرض نفسها كمعارضة لأردوغان.

أخيراً، فأن أكينجي هو شخص بهذا التوجه، لأنه عايش وجرب أشكال من التعاون المثمر مع جيرانه من القبارصة اليونانيين طوال عمله المؤسساتي، كرئيس لبلدية العاصمة أو كوزير أو حتى كرئيس، ودوماً كان يكتشف عملياً إمكانية التواصل والتعاون والتكامل بين المجتمعات والقوى السياسية والسلطات في شطري الجزيرة، وأن المانع الوحيد لحدوث ذلك وتطوره سياسياً هو النزعات القومية الشعبوية في تركيا منذ قرابة نصف قرن، التي تستخدم المسألة القبرصية كأداة للتصعيد القومي في الداخل التركي، وليس لمصلحة أبناء شمال قبرص.

لهذا بالضبط، فأن أكينجي هو أكثر من يعرف فداحة الاستمرار في هذا المسار، الذي يشبه استغلال الأنظمة العربية للقضية الفلسطينية لتثبيت أنظمتها الشمولية.