بالوباء، صرنا، رهائن سجن؛ والسجن، في وصيّة حكيم مثل هنري ثورو، هو المكان الوحيد المناسب في هذا الزمان لكلّ إنسان نزيه! وهو ما يعني أن قضاء الوباء في حقّنا حكمٌ عادل.

وكلمة الطبيعة فينا رحيمة بنا، بقدر ما كان حكمنا في حقّها جائراً، كما يليق بالإبن العاقّ. أمّا الأمّ فلم تستنزل قصاصاً كالوباء لكي تسيء لنا، ولكن لكي تلقّننا درساً لتوقظ فينا الإنسان الذي تنكّرنا له، فاغترب عنّا، والوباء رسالة أمّنا الطبيعة لكي يبعثه فينا، علّ الحبس يربّي فينا بُعْداً مفقوداً هو ضمان في قيّامة الميلاد الثاني، الميلاد بالروح هذه المرّة، لأنه الميلاد الحقيقي الذي نصحّح به خطيئة الميلاد الأول، ميلاد الجسد الذي لا فضل لنا فيه، ولم نختره لأنفسنا. وهو ما لن يتحقّق بدون تدبير، بدون تقنية ليس أقلّها شأناً نزول الجحيم. الجحيم هو حُجّتنا منذ الآن. هو حُجّتنا، التي سنعتمدها كشهادة على توبتنا. فإذا كان الوباء يهبّ ليعيننا في مصابنا، فيسخّر لنا السجن كي يدرّبنا على ترييض الجسد، فإنه، بالمقابل، لا يبخل علينا بما هو أعظم شأناً من ترييض الجسد في رحلة ندمنا، كما هو الحال مع ترويض الروح طوال المكوث في برزخ إحرامنا. فالرهان كلّه على مدى قبولنا لهذا الطقس العصيّ، لأن ترويض الروح إنّما يعني، في بُعده الأقصى، ترويض النفس على الموت، كشرط لمن أراد أن يحقّق الخلاص، وينال الميلاد الثاني. وعلّ يقيننا بأننا، كنزلاء سجن، نزهاء، كفيلٌ بأن يكون تميمتنا في ملحمة معراجنا.

الأربعاء 29 أبريل 2020

بعد جدل استغرق شهوراً اعترف الطبّ أخيراً بعجزه في اكتشاف لقاح ضدّ الوباء، وهو الذي صدّعنا منذ مطلع القرن، بقدرته على تحقيق المعجزات، لتأتي الطبيعة فتسفّهه، فلم يجد مفرّاً من الإحتكام إلى ساحة هذه الكاهنة نفسها التي ناصبها العداء، في حمّى هوسه بالكيمياء، على حساب عقاقير العطارين أو أحاجي الحكماء، وهو يتغنّى بالترياق الوحيد، المستعار من خزنة الطبيعة، وهو: المناعة!

وتربية المناعة سباق رهين حميّة صارمة ذات بعدين: جسدي وروحي، سوّقتهما التجربة البشرية منذ ما قبل التاريخ، لا في شأن التداوي من العلل وحدها، ولكن في شأن سعادة الفرد، بوصفه ذخيرة مجموعٍ، هو ضمان قيام كيان الحكم العادل.

ولهذا السبب نجد أفلاطون يولي أهمية قصوى لتربية الجيل على المستويين البدني والروحي كنواة للمجتمع الفاضل: تربية تلعب فيها التمارين الرياضية دور البطولة في بُعد الجسد، وتربية أخرى تلعب فيها الموسيقى دور البطولة في بُعد الروح. أي أنها تقنية سحرية تعتمد الإنضباط تميمةً لتأهيل النموذج البشري بحميّة مزدوجة لبعث القوّة الكامنة في كلٍّ منّا، لمزاولة نشاطها الكفيل بتشييد حصونٍ مناعيّة، ذات فعالية في صدّ الغزاة: والأوبئة، وما شاكلها من أمراض، جنسٌ من غزاة، أكثر فتكاً من أعداء مسلّحين بِحِراب.

واليوم، عندما تفرض سلطات العالم، على إنسان العالم، حجراً صحيّاً، فإنما تريد أن تحيي في واقعه البئيس هذه التعويذة المنسيّة، علّها تبعث فيه الضمير الذي اغترب، بفعل الترف.

فالفرق بين إنسان الزمن الضائع، وبين إنسان الحداثة، يكمن في الموقف من الطبيعة من حيث المبدأ: فهي إذا كانت بمثابة الملاذ في عقلية إنسان الزمن الضائع، فالطبيعة، في واقع إنسان اليوم، هي خصمٌ. وما يستدعي للتأمّل هو النتيجة التي أفضى إليها هذا الجدل. ففي الوقت الذي استطاعت فيه العلاقة الحميمية، بل الأمومية، مع الطبيعة، من قبل الإنسان الكلاسيكي، أن تحقن هذا الإنسان بذخيرة شعرية مترجمة في حرف اليقين الذي آمن بالجسد كهبة مكمّلة لغنيمة سامية هي الروح، في حين كابر نموذج اليوم فآمن بالعكس، ليفقد بهذا الإقصاء ذاك النَّفَس الغنائي، تلك الأريحية الوجدانية، التي كانت بمثابة رأس المال في حياة إنسان الزمن الضائع، غذّت فيه مناعة روحية، من الطبيعي أن تتحوّل في حوليات التاريخ، بطولات أسطورية، في وقتٍ نقف فيه شهود عيان على الواقع الذي آلى إليه إنسان الحداثة، المغترب عن نبض البعد المفقود في وجوده، كما اغترب عن نغمة الشجن في لحونه، ليحترف سفساف النثر، لعلّة وحيدة هي الموقف المعادي للطبيعة الأم. والبرهان يجود به علينا هوس الأوائل بالجمال، الذي لا يفيض في كيانٍ، كالتمثال، على سبيل المثال، إلاّ بوصفه الترجمان الأمين للمعجزة التي تحجبها كتلة كينونة، فلا يأسرنا في الجرم إلاّ سلطان الذخيرة السخيّة التي تسكن الكيان، لتنطق بكلمة البعد المفقود، الذي يعبّر عن هوية الحضور في المكان.

فالجرم الإنساني هيكل لمعبد، مجده ليس في ما يبديه، ولكن في ما يخفيه؛ وقراءة إشارته، إنّما يعتمد على مواهبنا في تأويل الشفرة التي تسكن الطلسم، ومدى فراستنا في استنطاق الأحجية، تكمن طاقاتنا التي تلفّق فينا حصون مناعتنا الروحية، لأنها الرهان الذي لن يخذلنا في حربنا ضدّ الآفات الوجودية.

أو ليس مناسباً اليوم أن نتحدّث عن وجوب إغناء مناهجنا الدراسية بالمادة التي يمكننا أن نطلق عليها إسم: التربية الروحية، إذا شئنا أن نخلق جيلاً بطولياً بحقّ، قادراً على تحقيق الغلبة ضدّ الأوبئة والأورام، بقوّة الإرادة، في طلب الشفاء، بدل انتظار الخلاص بكيمياء الأطباء؟

الخميس 30 أبريل 2020

ليس لسلطات العالم أن تستهجن نزعة العصيان في إنسانٍ يرفض أن يمتثل لقانون طواريء يفرض حظر التجوال، ما لم تعترف بهويّة الجنس البشري في بعدها الطبيعي. فالإنسان إذا كان كائناً طبيعياً بالأرومة، فإنه كائنٌ حرّ بالفطرة. وأن يكون حرّاً بالسليقة يعني أنه وُلد راحلاً. أي أنه وجد نفسه في واقع يقع خارج البيت؛ خارج القمقم الذي تستبسل السلطات اليوم كي تحشره فيه؛ خارج الحظيرة التي تحاول السلطات، بسلطان القوانين الوضعيّة، أن تعيده إليها بالقوّة، متجاهلةً القوانين الطبيعية التي مازالت تسري في شرايين هذا المخلوق، المفتون باستعمال قدميه، لا من باب الفضول وحسب، ولكن تلبيةً لنداء الغريزة التي اصطفته كي يسعى، قبل أن تصطفيه بالمنطق، فما كان منه إلاّ أن انطلق، كي يبرهن لنفسه على حضوره في الوجود، لتكون الخطوة هي كلمته الأولى للتعبير عن هذا الوجود. وهو ما سيعني أن تحكيم القدمين، في مسيرته التالية، بمثابة ترجمان لحسّ يسكن عميقاً في الجينات، قد يُنسى مع الزمن، ولكنه يقبعع في قيعان الذاكرة، ليستحيل تلك العادة التي تنقلب فينا طبيعة لا تبرّر نفسها كطبيعة إلاّ بممارسة مشيٍ نستعير له كمرتبة أولى إسم التنقّل، ثم التجوال، ثم العبور، ثم الرحيل، إلى أن يستقيم في مفهومٍ جسيم الدلالة، هو: الحرية!

اعتنق الإنسان في بدايات عهده بالتكوين الترحال ديناً مارسته كل القبيلة الإنسانية طوال العهود الأولى. ولم يحدث الإنقسام في الموقف من ممارسة هذا العيد في حياة الإنسان اليومية إلاّ في مراحل تاريخية تالية. اختار أحد الفريقين مواصلة استعمال القدمين، مستجيباً لحدَسٍ صار في المسلك غريزة مستعيراً إسم "الحرية"، في حين اختار الفريق الآخر عقد صفقة مع المكان، يركن بموجبها إلى الأرض، إلى السكون، إلى التقاط أنفاس، إلى استراحة. استراحة سرعان ما تنكّرت لهذه الهوية لتكتسب بُعد المِيتَة. المِيتة في صيغتها المصغّرة، في محاولة لاستعادة الجذور، والإغتراب بالتالي عن هبة الطبيعة الأولى. أو بالأصحّ، محاولة يتم بمقتضاها استبدال الأقدام باكتساب جذور، باستنبات جذور، الذي لن يعني سوى تجديفٌ في حقّ ناموس الطبيعة الأمّ.

لهذا السبب انتصرت الطبيعة لسليلها الوفيّ لناموسها، فكافأته بحرية نال بواسطتها عافيةً نفيسة، ما لبثت أن استقامت في هيكل عافيةٍ روحية. هذا في حين اقتصّت من سليلها الضالّ الذي كفر بناموسها، وسكن إلى الأرض، بدل الفرار من جاذبية الأرض، من إغواء الأرض، التي لم تتوقّف عن التغنّي بدعوتها الماكرة في استدراج هذا المغامر للعودة إلى أحضانها المميتة قبل الأوان، قبل حلول الميعاد، ليتحوّل المقام فيها إلى موتٍ مبكّر. موت سابق للأوان، لأن الإستقرار حتى في اللغة إنما يعني الإستسلام للنهاية، قبول ضمني لنهاية المطاف، قبل حلول ميعاد المطاف. أي أن أهل الإستقرار هم ضربٌ من أموات. أمواتٌ قيد الحياة. وهو إخلالٌ بعرف الطبيعة التي خلقت الإنسان عابراً. خلقت الإنسان راحلاً، والدليل دسّته في قدمين إثنتين، لم تكونا لتُخلقا إلاّ لتُستعملا، واستعمالهما تطبيقٌ عملي يترجم رسالة حاملهما، وهي الوقوف لاستطلاع الآفاق، بحثاً عمّا تخفيه الآفاق، ثم الإنطلاق، لاستجلاء الغنيمة الغيبيّة الخبيئة وراء الآفاق. والدليل في سيرة الخيانة المقترفة بيد إنسان الإستقرار في حقّ الطبيعة هو مبادرته بالحملة من هذا الموقع. ليس هذا وحسب، ولكن أول جريمة اقترفها الإنسان في حقّ أخيه الإنسان إنّما بدأت من هنا أيضاً، لا لشيء إلاّ لأن الطبيعة، وربّ الطبيعة، انتصرا لمريدها الراحل، انتصرا لصاحب البريّة، الراعي هابيل، بقبول قربانه، على حساب قربان قابيل الملوّث بروح الموت، المدنّس بروح الميتة الصغرى، في حين تسكن الحرية قربان مريد الرحيل هابيل.

كان ذلك أول إدانة للقبيل الذي اختار الأرض معبوداً، أول حكم صريح في حقّ مريد الملكيّة الذي اختار العمران هويّة. اختار العمران معبوداً. وكان من الطبيعي أيضاً أن يتحوّل صاحب القربان الألوهي هابيل قرباناً أيضاً على يد عدوّ الحرية قابيل، لنتلقّى أول درس في سيرة الحرية وهو: الصليب! مادامت الحرية، في الناموس، هي الوجه الآخر للحقيقة، ليغدو الإستشهاد في سبيلها قدراً منذ ذلك التاريخ، فلا نندهش عندما يكون مصيرها بمثابة الترسيمة في سيرة أيّة نبوّة، ليغدو الصليب قدر كل من اعترف بانتمائه إلى الحقيقية التي وصفها المسيح في جوابه على سؤال بيلاطوس بأنها ليست من هذا العالم.

ففي واقع الإنسان الحضري، تغترب الحرية من واقع التقاعس عن أداء الواجب الطبيعي المفروض بحرف القدمين، بحرف التنقّل في أرض الله الواسعة، لتحلّ الملكيّة بديلاً. الملكيّة تستدعي سلطة، والسلطة تفرض لإدارة هذا الواقع قانوناً. هنا تبدأ العجلة في الطواف حول نفسها، في دائرة سحريّة تبدأ بالإنتاج، لتنتهي إلى الإستهلاك، الذي يعيد الكرّة إلى الإنتاج، لتحقيق امتلاء يؤدّي إلى التآكل. لأن الترف ورم الروح. ولكن مبدأ الحرية يبقى في وجدان هذا الإنسان هاجساً. هاجساً وجودياً، والحنين لاستعادته حلماً. إنه الرديف المجازي المدعو في أدبيّات عالم الإستقرار فردوساً ضائعاً. ونداء عالم اليوم، المعلن بلسان سلطات تتنازع الوباء، الذي يقول في الحرف: "إلزموا بيوتكمّ"، هو بمثابة قفّاز تحدٍّ يُرمى في وجوه أناسٍ اعتادوا أن يرتضوا بالممكن الباقي لهم في دنيا العمران من حرية ضائعة، في حدّها الأدنى، كما الحال مع النزهة. أي فسحة المدينة، المتمثّلة في ارتياد الحدائق، أو الأندية، أو الساحات العامّة، أو البحيرات الإصطناعيّة، أو الأسواق، باعتبار هذا كله استقطاع للنصيب المتاح من الجنّة الأولى، من الطبيعة الأولى، التي ابتلي الإنسان بالإغتراب عنها. ونداء سلطات عالم اليوم بالحرمان منه هو، بالنسبة لإنسان الزمان، حكمٌ بالمنفى حتى عن القشّة المتاحة التي لا بديل لها. فالأمر من هذا القبيل، المفروض من السلطة بقوّة السلاح، هو ليس مجرد عدوان على حقّ، ولكنه، في عقلية هذا الإنسان المدجّن، الذي ارتضى هوية مهينة كـ"المواطن"، هو بمثابة كتم للأنفاس في رئة هي بالأصل معطوبة.