وبالطبع فالصين هي المرشحة لدى هؤلاء لتصبح "قائدة العالم" في النظام الجديد. أو ربما احتمال نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه الصين دورا رئيسيا ومعها روسيا والهند وربما دول أخرى "صاعدة".

هذا هو الظاهر، أما الحقيقة فإن تغييرا جذريا في النظام العالمي ليس واضحا في الأفق. كما أن الولايات المتحدة تظل القوة الوحيدة في العالم التي تتمتع بميزات قيادة، ليس لأنها تملك أكبر اقتصاد في العالم ولا لاقتصادها من مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات فحسب، ولا لقوتها العسكرية التي لا تضاهى وإنما لسبب جوهري يتعلق بطريقة إدارة البلاد.

فكما لاحظ الجميع خارج أميركا خلال أزمة وباء كورونا فإن الحكومة المركزية ليست لها سلطات واسعة وإنما السلطة "مرحلة" لحكومات الولايات. وفي النهاية تعمل الدولة كمنظم ومحدد قواعد أكثر منها فاعل مسيطر، وهذا ما يميز الولايات المتحدة: الأعمال والناس يمكنهم القيام بما يريدون في إطار من اللوائح والقواعد المنظمة التي تشرف عليها الحكومة.

صحيح أن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تتبع نهج "فك ارتباط" مع العالم، لكن ذلك لا يعني أنها تتخلى عن مصالحها أو تنكفئ على ذاتها تماما كما يصور البعض. ولعل في الحملة الحالية على الصين ما يشير إلى العكس. فالولايات المتحدة، ومعها بريطانيا واستراليا وبعض دول الغرب الدائرة في فلكها، تتبع المثل الصعيدي المصري "جنازة بالتار ولا القعدة في الدار".

وتمثل الحملة على الصين، رغم أن ممارسات الصين هكذا من سنين، جزءا من سياسة داخلية في أميركا وإلى حد ما في بريطانيا أيضا في وجه تراجع ثقة الجماهير بالحكومة وفي محاولة لتأجيج الشعور القومي الشعبوي في مواجهة أزمات الاقتصاد والاتهامات لواشنطن ولندن بالفشل في مواجهة أزمة وباء كورونا. والحال نفسه مع الاتهامات لروسيا بالقرصنة الالكترونية والتلاعب "بالعملية الديموقراطية".

ولا يمكن أيضا إغفال أن هناك أجهزة وادارات في أميركا وبريطانيا ميزانياتها بعشرات ومئات المليارات لن تجد ما يبرر انفاقها إذا لم "تكتشف" نشاطات معادية. وبالطبع لن تأتي تلك النشاطات من كندا مثلا، إنما الصين وروسيا هدف مبرر يذكر أيضا بالحرب الباردة. وإن كان ذلك لا يعني أن الصين تمارس التجسس الصناعي من أجل تحقيق مصالحها، ولا أن روسيا تريد التأثير في الغرب بهدف اضعافه لتقليل الضغوط عليها.

إنما المهم هنا أنه لا الصين ولا روسيا تطمح لأن تحل محل الولايات المتحدة كقوة عظمى في عالم أحادي القطبية مثل الآن. صحيح أن الصين تعزز قوتها العسكرية، وتزيد من الانفاق العسكري وتصنع أسلحة ومعدات بشكل غير مسبوق. لكن كل ذلك لا يعني سباق تسلح مع أميركا كما كان الاتحاد السوفيتي خلال فترة ثنائية القطبية العالمية. إنما الهدف هو الحماية، وربما أيضا الردع لتأمين استمرار تقدمها الاقتصادي.

يدرك الصينيون أن تبوأ موقع قيادة العالم له تبعات لا تريدها بكين، كما أنه ليس بالضرورة المسار الأمثل لنموذج النمو الاقتصادي الصيني ولا توسعها التجاري في العالم. أما روسيا فهي تدرك قدراتها، الاقتصادية والعسكرية، وإن كانت تسعى لتعزيزها باستمرار وتوسعة مناطق النفوذ خارجها لكنها لا تغامر بمد أذرعها أكثر مما تستطيع فتنكسر.

مثال واحد بسيط يوضح كيف أن النظام العالمي الجديد، إن كان هناك واحد، ليس صينيا ولا روسيا. ولنأخذ الصين: فكيف لدولة تسعى لتكون قوة عظمى في العالم لا تريد لأحد أن يتكلم لغتها، وإنما تسعى هي لتعلم لغات الآخرين؟ أليس هذا انغلاقا مقصودا، ربما يجد الصينيون مبررا له في علاقتهم بالعالم لكنه بالتأكيد ليس الرغبة في القيادة.

الصين الآن تشبه اليابان منذ سنوات، وقبل أن يدخل اقتصادها حالة كساد عميق منذ نحو عقدين. فوقتها كانت اليابان أكبر دائن للولايات المتحدة، أي تشتري القدر الأكبر من سندات الخزينة السيادية الأميركية. تحتل الصين الآن هذه المرتبة، وربما كانت هي أحرص من غيرها على الا يتزعزع وضع الولايات المتحدة وإلا خسرت بكين أكثر من تريليون دولار في لمح البصر.