عشر سنوات عجاف مرَّتْ بالعالم العربيّ، يكاد المرء أن يجزم بأن جامعة الدول العربية كانت فيها على هامش الأحداث، ولهذا جاءت الدعوة إلى متابعة الشأن الليبيّ كضوء سراج من بعيد، ينير الدرب في الطريق للحفاظ على توازنات الأمن القوميّ العربيّ التي اختلَّتْ كثيرًا جدًّا، لا سيَّما بعد خروج العراق وسوريا من معادلات النفوذ والقوّة إلى أجل غير مُسَمَّى.

البكائيات لا تفيد، واللبن المسكوب لن يعود إلى أوانيه بشقّ الجيوب ولطم الخدود، غير أن هذا لا يمنع من التساؤل: "تُرَى، لو كان ميثاق الدفاع العربيّ المشترك قد وجد طريقه منذ عقود طوال إلى النور، هل كان الحال ستيغيّر عمّا هو عليه؟ ثم خُذْ إليك فكرة الناتو العربي التي طُرِحَتْ منذ بضعة أعوام، ثم خَبَا بريقُها وانمحت سيرتها، تُرَى لو نُفِّذَتْ أَمَا كانت تكفي شرّ مواجهة لحظة مثل هذه اللحظة على ألمها ومراراتها.

اجتماع الجامعة الأخير أَكَّد على أهمّيّة حضورها وتعزيز أركانها في الحال والاستقبال، وكذلك تهافت كلّ من تَقَوَّلَ عليها بالسوء، وطالب بحَلّ رباطاتها، فهي كانت وستظل بيت العرب الكبير الذي يتمّ اللجوء إليه في المُلِمَّات الجِسَام.

نحو 75 سنة منذ أن انعقدتْ في ظلّها أوّل قمّة عربية، كان ذلك عام 1946، حيث أَكَّدتْ الجامعة وقتها حقّ الشعوب العربيّة في نَيْل استقلالها.

تاليًا وبعد عشر سنوات، أدان البيان الختاميّ لقمّة الجامعة في بيروت عام 1956، العدوانَ الثلاثيَّ على مصر، وكانت وقتها من القوّة والمِنْعة لأن تعلن حقّ الجزائر في التحرُّر من الاستعمار.

وفي عام 1967 كانت قمة الخرطوم، قمة اللاءات الثلاثة لدعم مصر التي أصابتها النكسة، ووقف العرب صفًّا واحدًا متناسين أيّ خلافات، مُتَرَفِّعين عن أيّ حزازات.

من اللحظات التي لا تُنْسَى في تاريخ الجامعة الاجتماعُ العربيُّ الحاسم والحازم الذي جرت به المقادير في عام 1990، حين اتّخذتْ قرارًا بتشكيل قوّة مشتركة للمشاركة في تحرير الكويت، وقد فَعَلَتْ ما وعدتْ به.

ولعلّ عام 2002 أثبت للعالم بِرُمَّتِهِ أن جامعة الدول العربية قادرة على أن تقدم للعالم طروحات سلام عالية وغالية القيمة، طروحات مثل المبادرة العربيّة لحلّ الصراع العربيّ– الإسرائيليّ، غير أن إسرائيل ومن أسف شديد ضَيَّعَتْ فرصة تاريخيّة، ما يدلِّل على أنّ شهيّتها للسلام ضعيفة، ورغبتها في البقاء أبدًا ودومًا على حدّ السيف هي الأقوى.

من قدر الجامعة أن تواجه ثلاث قوى غير عربيّة في المنطقة دفعة واحدة هذه الأيّام، وهذا أمر لا يقدر عليه سوى ذوي العزم والبأس من جهة، والراسخين في العلم من جهة ثانية.

هل هي مصادفة موضوعيّة أم قَدَرِيَّة؟ أيكون الأمر تنسيقًا مرتَّبًا ومعدًّا له؟

لا شيءَ في الحياة عشوائيٌّ، لا سيّما بالنسبة للمراكز الحَضَرِيّة التي لم تحفظ وعدًا ولم تُقِمْ ودًّا للعرب في الخليج والشرق الأوسط طوال عقود طوال.

إسرائيل تحتاج إلى مقالات وأبحاث مُطَوَّلة قائمة بذاتها، ولا يزال التساؤل على المائدة أهو صراعُ حدودٍ، أم صراعُ وجودٍ، ولا يزال هناك من يرى أن العربيَّ الجيّد بالنسبة لهم هو العربيّ الميّت، وهذا يكفي. وما مشروعات الضمّ والتوسُّع إلا انعكاس لشهوة قلب الدولة الإسرائيليّة تجاه العالم العربيّ.

إيران، الإمبراطورية الشاهنشاهيّة، كانت الدولة المشرقيّة الوحيدة التي تُزَوِّد إسرائيل بالنفط خلال حرب أكتوبر، في حين كان زايد الخير، وفيصل الكبير، رحمهما الله يقطعان النفط عن الغرب، كسلاح ضمن أسلحة المعركة، في لحظة تجلٍّ عروبيّ إنسانيّ ووجدانيّ، إلى أبعد حَدٍّ ومدٍّ.

أمّا تركيا، الإمبراطوريّة العثمانيّة البائدة، فهي من دون أدنى شكّ رقمٌ مضاف ضمن الأرقام الظلاميّة التي حَلَّتْ بالعالم العربيّ، ويبدو أن الأغا المحتلّ والمختلّ يحلم بعودة عقارب الساعة ومن جديد في مشروع لم يعد أردوغان يداريه أو يواريه.

وقفت الجامعة العربية الأيام القليلة وراء مصر الشقيقة التي لم تتوان يومًا عن دعم وزخم أيّ قطْر عربيّ يتعرّض للخطر، وقف الجميعُ في رجع صدى لا يتلكَّأ ولا يتأخّر لتصريحات الرئيس السيسي منذ سنوات طوال ....مسافة السكة... والآن تقول العرب لمصر إنّها بالفعل مسافة السكة من حدودنا إلى النيل والهرم.

ما تَقَدَّمَ ليس خواطر أو مشاعر في مثل هذا الظرف، ولكنّها سطور توضِّحُ كيف استدعت الجامعة من معينها القديم مقدرتها على الفعل وتجاوز حالة التحجُّر والتكلُّس والجمود الأرثوذكسيّ السياسيّ.

دعم العرب لليبيا يعني أن هناك إرادة حديديّة حقيقيّة لا تلين، وغالبًا ما سوف يتمّ اختبار هذه الإرادة في الأيّام القادمة، لا سيّما مع تَعَنُّت ميليشيات الوفاق التي كانت تصرّح وقت كتابة هذه السطور بأنها لا تعترف بأيّ حدود حمراء، وأنّها تنوي بسط سيطرتها على كامل التراب الليبيّ، ووقت صدور هذه الكلمات للنور، ربّما تكون الحرب قد دارت رحاها.

ذات مرّة تحدَّثَ كارل ماركس بالقول: "الحرب قابلة التاريخ"، ما يعني أنها تغيّر الأوضاع وتبدّل الطباع، وربّما جاءت اللحظة الحاسمة ليقول العرب للتاريخ الآن وهنا كما صاح شكسبير، يمكننا إعادة ترتيب أوراقنا، من خلال استدعاء روح الوفاق والاتّفاق.

لن تكون ليبيا التحدّيَ الأخير، لا سِيَّما وأنّ جرحًا آخر مفتوحًا في العمق الأفريقيّ، يؤثّر في مصر والسودان، ويأمل المرء أن تكون المواجهة الدبلوماسيّة العربية كفيلة بإنهاء الصراع، وعدم اللجوء إلى أدوات أخرى.

مرحبًا بصحوة المارد العربيّ.