والسد في نظر كافة الإثيوبيين هو الصرح الأغر الذي تاقت إليه جموعهم دون استثناء، وبات يشكل لهم العزة، ويحفظ لهم كرامتهم، وفي المقابل أي عند المحروسة  مصر- دولة  المصب-  يشكل السد ناقوس خطر ونذير شؤم، بل وخطر مداهم لوجود الدولة، وهي العبارة التي ختم بها وزير الخارجية المصرية كتابه الرسمي " التنبيهي" ، لمجلس الأمن لمنظمة  الأمم  المتحدة في التاسع عشر من يونيو 2020.

جرب الفرقاء الثلاثة على  مدار هذه  المسيرة الملحمية التي بدأت في إبريل عام 2019 ضروبا عدة من  المباحثات، التي راقبها منذ نوفمبر عام 2019 الولايات المتحدة الأميركية،  والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة الاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وأخفقوا  جميعا في  حلحلة الموقف المتأزم، وردم الهوة السحيقة بين الفرقاء الثلاثة ، كي يبرموا الاتفاق  المشار إليه .

لا مرية أن مصر  تبتغي من وراء تنبيهها للمجلس ،  أن يمارس المجلس سعيه الحثيث لدي إثيوبيا ، لمعاودة  المشاورات الفنية التي توقفت مؤخرا ، بسبب عدم توافر الإرادة  السياسية لدي الحكومة الإثيوبية لإبرام الاتفاق المشار إليه، وهو  ما أشارت إليه رسميا  الرسالة  المصرية  للمجلس، لكن المدرك المهيمن علي بواعث وشواغل الخطوة  المصرية، هي الحقيقة  الواقعية التي كشفت عنها معظم  الممارسات الدولية، وهي أن المفاوضات المباشرة بين أطراف النزاع  الدولي هي الوسيلة الأمثل، والأكمل، والأصح التي تشبثت بها معظم الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة في سياق التسوية السلمية للنزاعات.

بالنظر إلي أن الملابسات التي تعتري التنبيه المصري الأخير لمجلس الأمن، فإن الفصل السادس من ميثاق المنظمة الموسوم " حل النزاعات حلا سلميا " هو الفصل الأجدر بتناوله باختصار غير مخل، وتطبيقه علي النزاع المصري-الإثيوبي، حيث يتصل نطاق اختصاصات مجلس الأمن بمقتضي الفصل السادس من ميثاق المنظمة بالنزاعات التي من شأن استمرارها، أن تهدد السلم والأمن الدوليين.

وهنا يقوم المجلس بإصدار توصية غير إلزامية لأطراف النزاع ، من أجل تسويته، وهنا لا تدمغ سلطة المجلس بذات السلطة التي تحوزها هيئات التحكيم الدولية أو المحاكم الدولية، التي تصدر قرارات دولية ملزمة، ولا يحوز المجلس أيضا السلطة التي يحوزها حين يتصرف المجلس تأسيسا علي الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، الموسوم بالأعمال القمعية، التي يتخذها المجلس في حالات تهديد السلم والأمن الدوليين، والقرارات الأخيرة التي يتخذها المجلس وفق الفصل السابع من ميثاق المنظمة، ليست ملزمة لأطراف  النزاع و حسب، بل وكافة الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة.

 أطلقت الفقرة الثانية  من المادة 33 من الميثاق العنان لمجلس الأمن لأن يدعو الأطراف لالتماس حل هذا النزاع بأي وسيلة من الوسائل السلمية الواردة في نص المادة 33 من الميثاق، ولو لم ينعقد اتفاق الأطراف النزاع على عرضه عليه، أو على الأقل إخطاره به، وهو ما لاح جليا في النزاع المصري – الإثيوبي,

فرغما عن سبق عرض النزاع بشكل انفرادي من جانب مصر علي الجمعية العامة  لمنظمة  الأمم المتحدة في عام 2019 ، و بالرغم من إدراك مجلس الأمن  لتطورات النزاع ، لكن لم يلجأ المجلس  لتطبيق نص الفقرة الثانية المشار إليها .

جلي أن دور المجلس بمقتضي المادة 33 يقتصر على مجرد دعوة أطراف النزاع لحل منازعاتهم بالوسائل السلمية، ويملك ثمة سلطة في توجيه الأطراف للتوصل بوسيلة سلمية معينة لتسوية ذلك النزاع.

وتطبيقا على النزاع المصري الإثيوبي، يستطيع المجلس أن يباشر صلاحيته في توصية الأطراف، وله أيضا أن يمتنع عن القيام بذلك الدور. 

تجدر  الإشارة إلي أن المجلس يحوز سلطة عامة في إجراء التحقيق في ملابسات النزاع  من تلقاء نفسه، أو بتشكيل لجنة تخضع لتوجيهاته للتحقيق في أي نزاع أو موقف يري المجلس أنه بحاجة إلي ذلك، وهنا فالمجلس حر في اختيار الصيغة المناسبة للموقف الذي يتصدى له ، فقد يرى المجلس أن الفحص يتمحور فقط على مجرد الاستعلام من أطراف النزاع وحتي دون رضى الأطراف المعنية.

ولسبر أغوار التحرك  المصري في مجلس الأمن تأسيسا علي المادة 35 من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، نشير إلي أن المادة خولت كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة أن ينبه المجلس بشأن أي نزاع أو موقف سواء كان طرفا فيه أو لم يكن، وهنا فإن لفت نظر المجلس لا يختلف عن عرض الأمر على المجلس، فالباعث الرئيس من تنبيه المجلس تهيئته كي ينظر في النزاع أو الموقف.

نافل القول، أن المادة  36 من ميثاق الأمم المتحدة خولت مجلس الأمن في أي مرحلة من مراحل النزاع ، أن يتدخل ويوصي بما يراه مناسبا من الإجراءات.

والمجلس ليس ملزما بالانتظار لفشل الأطراف في التوصل لحل النزاع حتي يشرع في العمل بنص المادة 36 ، والمجلس حين يوصي أطراف النزاع بما يراه ملائما من الإجراءات وطرق التسوية، فانه يوصي بما ينبغي أن يظل دائما في إطار الوسائل  السلمية دون أن يتعدى المجلس حدود المادة 36 والفصل السادس برمته، باتخاذ إجراءات قمعية من أي نوع ، فالأخيرة ليست من المقاصد التي ابتغاها  الفصل السادس ذاته.

وتطمح مصر – دولة المصب لنهر  النيل – من خلال تنبيهها لمجلس الأمن بالتطورات الخطيرة في مسيرة المفاوضات الماراثونية مع إثيوبيا تحديدًا، استثارة اهتمام و قلق المجتمع الدولي بشكل عام، والإدارة الأمريكية بشكل خاص، بحسبانها المراقب الشريك مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وبالنظر أيضا للجهود المهمة التي بذلتها الإدارة الأميركية، في المساعدة، والتسريع لطرح الاتفاق الفني  النهائي الشامل والمعني بكل المسائل الفنية لتشغيل ولإدارة سد النهضة.

صفوة القول، يأتي التنبيه لمجلس الأمن عليها، في ضوء سلطة مجلس الأمن المكفولة له بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة لتسوية النزاعات بالوسائل السلمية غير القسرية علي  أطراف  النزاع ، و بالرغم  من الدفوع المختلفة  لأطراف النزاع.

فالمجلس لا يرتهن أو يتقيد بالتوصيف والتسبيب المقدمين إليه رسميا من أطراف النزاع وله مطلق الحرية في أن يفحص أولا ما قدم إليه من أطراف النزاع ، وله أيضا أن يدرج أو لا يدرج ما قدره بأن النزاع المعروض علي المجلس من شأن استمراره أن يهدد السلم والأمن الدوليين.

وبالرغم من أن  المجلس يتقيد بنصوص مواد الميثاق في كيفية تناوله لإحالات أو تنبيهات الدول، لكنه في نهاية المطاف، له المقياس  الحكري والمتغير من حالة لحالة أخرى دون أن تقيده في ذلك مبادئ القانون الدولي أو إرادات وآمال أطراف النزاع .