وبدا جليًّا أنّ قوى الكون والطبيعة لا يمكن التعاطي معها  بلسان الأسلحة التقليديّة أو أسلحة الدمار الشامل، بل تحتاج إلى مسارات ومساقات من قوى أخرى، في مقدّمتها التضامن الإنسانيّ، تلك القوّة  الناعمة، والتي تكاد تكون غير منظورة من قبل مستويات متقدمة  من صُنّاع القرار العالمي، إلا ما رحم ربُّك.

يعود تعبير القوة الناعمة إلى المفكّر الأمريكي الكبير "جوزيف. إس. ناي الابن"، أستاذ العلاقات الدولية والعميد السابق لمدرسة  جون كيندي في جامعة هارفارد الأمريكية العتيقة. 

من خلال المناصب التي  تبوأها الرجل ومنها  مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنيّة الدولية  في حكومة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطنيّ، اكتشف "جوزيف ناي" أنّ القوة الناعمة لا تقل أهمية عن نظيرتها الخشنة على الصعيد الأمميّ.

 ما الذي يذكّرنا اليوم بالبروفيسور "ناي"، وما علاقته بالإمارات العربية المتّحدة؟

باختصار غير مخلّ، لقد حلّ الرجل الكبير قيمةً وقامةً فكريّةً، ضيفًا عبر الهواء الافتراضي على "مركز الإمارات للسياسات" لمناقشة "أزمة كورونا والتحولات الجيوإستراتيجيّة  العالميّة المحتملة"، أي قضية الساعة وسط الفوضى الضاربة التي يُحدِثها هذا الفيروس الشائه حول العالم.

رؤية ناي التي تمخّض عنها الحوار تدور حول حتميّة التعاون بين الأمم والشعوب والقبائل، حتّى وإن بَقِيَت المنافسة الدوليّة قائمة، وقد كان الرجل شديد التحديد وأقرب ما يكون لوصف كلمة تضامن التي استمعنا إليها  مرارًا  الأيّام المنصرمة على  لسان وليّ عهد أبو ظبي سمو الشيخ محمد بن زايد.

خلال أزمة كورونا عبر الاشهر الأربعة  المنصرمة وحتّى الساعة أضحت الإمارات العربية المتّحدة ترجمة حقيقية لفكرة التضامن الإنسانيّ القادر على العبور وسط الأزمة الكونيّة.

لم يكن الأمر مجرد شعار دعائيّ، فقد رأى العالم الإمارات على  مستويين:

الأول: المستوى الداخليّ، أي على صعيد الوطن الاماراتيّ، حيث تمّ التعاطي مع المواطن والمقيم على  قدم المساواة، ومن غير أي تمييز او محاصصة عرقية، وقد بلغ الأمر من المقيمين إظهار ولاءات طوعيّة للإمارات استدرّت دموع الشيخ محمد بن زايد، فخرًا وفرحًا بوطن أصبح "رواق الأمم"، في القرن الحادي والعشرين .

الثاني: المستوى الخارجيّ، حيث شهد العالم حركة الطائرات من مطارات الإمارات إلى غالبيّة إن لم يكن كل الدول التي أصابها الفيروس، وتبدّى أنها في حاجة إلى تقديم لمسات ولمحات من التضامن الإنساني، دول كبرى في مصافّ حسابات القوى الاقتصاديّة، والنفوذ السياسيّ، لكنّ الترجمة الحقيقيّة لمعنى ومبنى التضامن، كان يقتضي أن تكون الإمارات هناك.

في نهاية لقاء البروفيسور "جوزيف ناي"، المشار إليه مع مركز الإمارات للسياسات، ذهب المفكر الأمريكيّ الكبير إلى أن الوقت الحاليّ هو "الوقت القيّم"، كما يعلّمنا علم النفس، لإنشاء صندوق عالميّ لمواجهة هذه الجائحة، خصوصًا أن التقديرات تشير إلى التخوّف من وجود موجة ثانية قد تفوق في شِدّتها الموجة الأولى،  مثلما حدث في وقت الإنفلونزا الإسبانيّة عام 1918.

هل نحن أمام تصوّر حاضنته فكرة صندوق مارشال الأمريكيّ لاستنقاذ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؟

يمكن أن يكون طرح البروفيسور "ناي" ضربًا من هذه الضروب،  سيّما وأن هدف هذا الصندوق هو مساعدة الدول الأكثر ضعفًا  وانكشافًا  في مواجهة هذا الوباء.

 على أن ما يقرر حقيقة مهمّة ومؤكَّدة موصولة بالإمارات العربيّة المتّحدة ودورها التقدّميّ على الصعيد العالميّ، أي دورها في نشر ثقافة التضامن وإسداء المعروف وعون الملة، هو اقتراح الضيف الأمريكي أن تكون دولة الإمارات العربية  المتحدة هي قائدة الجهود الدوليّة في هذا الإطار، خصوصًا أنها حققت تقًّدمًا مهمًّا في مجال القوّة الناعمة عبر مجالات إنسانية عديدة طوال العقدين الماضيين.

يعنّ لنا أن نتساءل: "من أين يستمدّ الإماراتيّون هذا الزخم الإنسانيّ والإيمانيّ، ذاك الذي يجعل نهر الخير الإماراتيّ يجري من دون توقُّف شرقًا وغربًا ، شمالاً وجنوبًا، من دون تحقق من عرق أو مساءلة عن جنسيّة، وبعيدًّا كلّ البعد عن فلسفة الفوارق الدينية او التمايزات الاجتماعيّة؟

الجواب نجده في اسم واحد "زايد الخير"، الذي تحدَّث أبدًا  ودوما  عمّا أطلق عليه رحمه الله وغفر له "الثروة الحقيقية"، والتي أجملها  في العمل الجادّ المخلص الذي يفيد الإنسان ومجتمعه وإطاره  البشري برمته.

قوة الإمارات الناعمة تتعدّد أوجهها، إذ لا تتوقّف عند تقديم الدعم الدوائيّ والغذائيّ للمنكسرين إنسانيًّا وسط الأزمة المفجعة، وقد قدّمت الامارات حتى الساعة قرابة  350 طن من المساعدات إلى أكثر من 34 دولة حول العالم، بل تمتدّ الى  صعيدين: العلميّ، الذي يجابه الفيروس ويسعى إلى الخلاص منه، والروحيّ ، الذي يبنى سلمًا إلى  مدارك السماوات الواسعة لا سيّما ونحن في الشهر الفضيل،  شهر الصوم والخير والبركات .

على الصعيد العلمي تتجلى قوة الإمارات الناعمة في مضمار البحث العلميّ، وقد أثبتت تجربة كورونا المؤلمة أن أفضل طريق للتنبؤ بالغد هو صناعته، وخير دَرْب للانتصار على الأمراض والاوبئة ، البحث العلمي، وما جادت به قريحة وعقول علماء الإمارات من شباب الباحثين في "مركز أبو ظبي للخلايا  الجذعيّة "، يثبت وبما لا يدع مجالاً للشكّ أن الإمارات قد أحرزت نجاحات فائقة في طريق القوّة الناعمة، والوصول إلى عقارات مضادّة لكورونا، يفتح الطريق أمام البحث العلمي الإماراتيّ، ذاك الذي حلم بالصعود الى الفضاء وفعل، وقبض شباب الإمارات على النجوم بأيديهم، ولم يكتفوا بلمسها فقط.

أما على الصعيد الروحانيّ، فقد أطلقت الإمارات شعلة الروحانيات في عالم مهموم وغارق حتّى أذنيه في النمط الاستهلاكيّ وخطوط وحظوظ النيوليبراليّة الاقتصادية التي اختصمت كثيرًا جدًّا من كرمة الإنسان وقدره .

جاءت الدعوة من خلال مبادرة لجنة  "الأخوة الإنسانية "، التي انبثقت عن الزيارة التاريخية لبابا روما وشيخ الأزهر، البابا فرنسيس، والشيخ الطيب في فبراير الماضي، وتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانيّة، والتي أضحت وعن حقّ ركيزة أساسية للمجتمع الدوليّ في طريق التحرّر من عبوديّة  المادّيّات وقيود الأنماط البراجماتية الماركنتيلية مرّة وإلى الأبد .

قوة الإمارات الناعمة تتجلّى في كلمات سمو الشيخ محمد بن زايد في تأكيد دعوة الإمارات للعالم أن يكون نهار 14 مايو المقبل يومًا للصلاة ورفع الدعاء، ذلك أنّه مهما جهدنا واجتهدنا فإنّنا في حاجة إلى توفيق الله ورحمته ليزيل هذا الوباء.

 الإمارات سردية  القلب الواسع.والقوّة الناعمة المحبوبة والمرغوبة أمس واليوم وغدًا.