للوهلة الأولى أوقفت إيران تصدير ثورتها وباتت بالنسبة للبنانيين مصدّرة لأخطر وباء يصيب الكرة الأرضية خلال قرن. وعلى هذا باتت بيئة حزب الله الأكثر عرضة، بحكم التواصل الأيديولجي مع إيران، لاستضافة الفيروس، وبات سؤال التماهي الشيعي مع جمهورية الولي الفقيه سؤالا وجوديا يطرح بشكل جدي اشكالية الانتماء والهوية.

كان أمين عام الحزب، السيد حسن نصر الله، قد حسم في مناسبات عدة هوية شيعة البلد ومسار حراكهم، مرة بإعلانه، في ثمانينيات القرن الماضي، السعي لإقامة جمهورية إسلامية في لبنان تكون جزءا من الجمهورية الإسلامية في إيران، ومرات، لاحقا، حين كرر أن الدعم والمال والسلاح الوارد لحزبه مصدره إيراني دون تحفظ أو خجل.

فجأة تعيد بيئة حزب الله اكتشاف الدولة في لبنان التي لطالما عوملت بصفتها رجساً وجب مكافحته بأدوات الدويلة التي يديرها الحزب. يقر الحزب وجمهوره اللصيق بأن الفيروس حقيقة بعد أن اعتبر إشاعة مغرضة، وأن البلد الذي أراده الحزب استثناء في هذا العالم يستعيد عاديته دون أن يقوى الحزب وزعيمه على معاندة الأمر. وعليه يبدو حزب الله مستسلما للإجراءات التي تتخذها الدولة، بما في ذلك فرض تدابير صارمة على كل البلد، بما في ذلك على دويلة الحزب، وبما في ذلك قطع شرايين الوصل بين الحزب وطهران جوا وبرا.

بدا حزب الله، الذي لطالما فرض سطوته على لبنان وأهله من خلال فائض السلاح، عاجزاً عن تقديم فتاويه لرد عدو غير تقليدي داهم لبنان من بوابة إيران. لم تقنع وصايا نصر الله الصحية جمهور الحزب، وانتظروا، كبقية اللبنانيين، ما ستقرره حكومة البلد من تدابير سبقتها إلى اتخاذها بلدان أخرى وكبرى في هذا العالم.

بدا حزب الله عاجزاً منذ انطلاق الاحتجاجات في لبنان في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن مقاربة التحوّلات الداخلية. كان قبل ذلك ينظر إلى هذا الداخل بصفته تفصيلا هامشيا مقارنة بورشه الاستراتيجية الكبرى في سوريا، كما في باقي ميادين النفوذ الإيراني في المنطقة، متسقا مع حقيقة كونه ساعدا عسكريا أمنيا في خدمة الولي الفقيه.

ما زال الحزب يكابر في إدراك معاني هذه التحولات التي قلبت الشارع اللبناني على كل المنظومة السياسية اللبنانية. يكتشف الحزب أنه خسر مهاراته في ملاعبة منظومة سياسية عقد داخلها تحالفاته وأدار معها عداواته. انهارت هذه المنظومة حين استقالت حكومة سعد الحريري (رغم التهديد بمحاكمة من يستقيل)، وحين رفضت أحزاب وتيارات وازنة المشاركة في أي حكومة سياسية، وحين سقطت الخطوط الحمر التي وضعها نصر الله نفسه في رفضه المطلق لقيام حكومة غير سياسية.

تنهار دويلة حزب الله منذ أن بات الحزب يتوسل التبروء من أي سطوة يمارسها على لبنان. نفى نصر الله أن تكون حكومة حسان دياب تابعة لحزبه وراح محمد رعد، رئيس كتلة الحزب في مجلس النواب، يكرر بملل أن "هذه الحكومة لا تشبهنا".

وفي ثنايا ذلك الموقف أن كارثة لبنان المالية والاقتصادية أحالت حزب الله هامشاً لن يقوى على مقاومة ما تشترطه دول العالم لتقديم الدعم للبلد.

"حكومة حزب الله" ذاهبة حكما إلى التعامل مع صندوق النقد الدولي. سيبتلع نائب الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، ما أعلنه من مقاطعة لتلك المؤسسة المالية الدولية التي اعتبرها من أدوات "الاستكبار".

لا شك أن "مناشدة" وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، للصندوق التعجل بمساعدة إيران في مواجهة فيروس كورونا، قد صعق الحزب وقادته، خصوصا أن ظريف في طهران لا ينطق عن هوى، وأن "انقلابا" من هذا النوع في التعامل مع "الاستكبار" يحظى حكما بمباركة المرشد علي خامنئي الذي يواليه نصر الله ونائبة.

قد تكون طهران ما زالت بسخف تعوّل على انتخابات الرئاسة الأميركية لعل في ذلك ما يخلصها من عدو في البيت الأييض، غير أن حزب الله بات يدرك أن مواسمه تصدعت أيا كان ساكن البيت الأبيض.