والواقع أننا لن نفلح في استكشاف حقيقة الموسيقى، التي يستنزل الاسبارطيون في حقها التحريم، ما لم تستجوب هذه الأعجوبة التي تلعب في حياتنا دوراً بطولياً قدسيّاً، فتستعير علينا سلطاناً جسيماً، على الرغم من طبيعتها التي تتنكّر للحضور في المكان، ولا تقبل بغير الزمان معبوداً، إلى الحدّ الذي يصير فيه المساس بها ضرباً من تجديف، لا يختلف في جوهره عن التجديف في حقّ المعبود، بل في يقين الاسبرطيين، يبدو التجديف في حقها أعظم شأنا من التجديف في حقّ الدين، ممّا يهبها الحق في اعتلاء عرش الدين، كأنها في عرف القوم هي البديل الشرعي لأيّ دين.

ولم يكن هذا العرف ليستوقفني لو لم أنتمِ الي هويّة قومٍ اعتادوا أن يعاملوا اللحون بذات العقلية الإسبرطية، كما هو الحال مع أمة الملثمين في الصحراء الكبرى، التي تحرّم المساس بالأنساق الموسيقية المتوارثة جيلاً عن جيل، لسببٍ كان سيبقى غامضاً لو لم نكتشف ان الاغاني لم تكن في حياة هؤلاء، طلباً لطربٍ يوماً، كما ألفنا لدى بقية الأمم، ولكنها بمثابة ابتهالات، بل حرفياً أداء لطقس هو بكل المقاييس صلاة. والدليل هو ما تستفزه في نفوس المريدين من حنين يسقطهم صرعى الوَجْد، لأنهم لا يجدون ما يستعينون به على جحيم اغترابهم عن ملكوت الله سوى أجنحة هذا الإعجاز المستنزل بهذا الحرف، لا ذاك، بهذه النغمة، لا تلك، بهذا السلطان الذي يستهين بالمكان، ولا يعترف بوجودٍ غير الوجود في الزمان، مثله في ذلك مثل الربوبية التي تحذّرنا من التجديف في حقّ الزمان، لأنها هي الزمان.

فإذا كانت الديانة الأفلاطونية ترى في رياضة البدن صلاة جسدٍ ضرورية لمريدٍ رأى في نفسه كفاةً تؤهّله لتولّي أمر الناس، فإن الموسيقى هي الركن الثاني في الصفقة المبرمة بين الروح والجسد، لأنها هنا بمثابة الرياضة التي لا ترتوي الروح إلا بممارستها، والمساس بالإيقاع أو النغمة، أو اللحن، هو مساسٌ بالآية، او بالإصحاح، أو بالحرف، في المتن المنزّل، مساسٌ صريح بكتابٍ مقدّسذلك أن اللحون الموروثة عن الاسلاف، هي متنٌ مقدّس في يقين أهل اسبارطة، وكذلك في يقين اهل الصحراء الكبرى، لأنها، في عرفهم، هي الناموس: الناموس في بُعده الغيبي، أو الطبيعي، الذي عناه القديس بولس عندما قال: "أولئك الذين ليس لديهم الناموس، ثم عملوا ما في الناموس، فهم ناموسٌ لأنفسهم". فالعبرة هنا بالنتيجة. العبرة بعمل ما في الناموس حتى في الحال التي ينعدم فيها وجود ناموس. لأن العبرة بمحتوى الناموس، لا بحرف الناموس. واللحون التي تحرّض على الفضيلة، على الشجاعة، على الحقيقة، كما عند الاسبارطيين واهل الصحراء الكبرى، هي ناموس: ناموسٌ فطريّ، ناموسٌ عفويّ، ناموسٌ عمليّ، ولذا فهو سماويّ.

لهذا السبب يوصي أشياخ الأمة، وزعماء القبائل، في الصحراء الكبرى، معشر الشاعرات ألاّ يبخلن على الفرسان بالأغاني، لأنها تغذّي فيهم قطبين هما رأس مال الإنسان البرّي: النبل والشجاعة، بوصفهما المؤهّلان اللذان لا وجود للأمّة بغيابهما، الى الحدّ الذي لا يستحي فيه حكماء القوم من استصدار حكم الجبن في حق ابناء القبائل الذين استخفّوا بقدس أقداسٍ كاللحون، فلم يستجيبوا لها بالشطح وَجْدَاً، أو بالسقوط شجناً، أو لم يلفظوا أنفاس النزع الأخير في حرمها حنينا!

فالمتن الموسيقي وحدةٌ واحدة، كل علامة صوتية جملة متكاملة، تماماً كما تتكامل علامات الكتب المقدسة من خلال الحروف حتى تغدو في مجموعها تميمةً حقيقية، تُجير مجرد الحروف فيها من الشرور، كما تجير الترنيمة الغنائية من وباء السويداء المميت حتى في نبرتها، وهو ما يستنزل روح قداسة في كل نأمة، ليختم على الغنيمة كلها بحكم التحريم، لأن أي زلل في الإيقاع أو شطط في النغم، هو إخلالٌ بالمنظومة، وتجديفٌ في حقّ التعويذة، من شأنه، بما هو دنس، أن يصيب الكينونة برمّتها بأفدح ضرر. فاللحن في بُعْده كإرثٍ مستخلفٍ عن سلف، هو وصيّة قدسية غير خاضعة للجدل، لأن كل ما يُنال عن السلف هو قدس أقداس، وإلا لما كانوا في الأعراف مرجعاً قرينا لكل ما هو صالح. والمساس بإرثهم جنسٌ من خيانة. بل هو الخطيئة التي لا تغتفر، فكيف إذا كان الخلف قد جرّبوا كم هي ترياقٌ هذه اللحون في كل ما متّ بصلة لأوبئة أقسى بما لا يقاس فيما إذا قورنت بأوبئة ليست من طينة الحسّ، ولكنها من جنسٍ كان الغموض فيه دوماً طبيعة، كما هو الحال مع الحدس؟.

فكل ما له صلة بالروح هو أحجية. واللحون ترجمان هذه الأحجية، وإلا لما صار في حياة قطب الحكمة سقراط هاجساً ظلّ يوسوس فيه دوماً، محرّضاً لكي يكفّ عن إبتذال عضلة اللسان بالتفلسف، ويحتكم الى ساحة تاسوع ربّات الفنون التي تترنّم، في كل لحن، بمعزوفة الوجود، وما لهفة الأخلاف في الحرص على عدم المساس بصنوف الذخيرة الوجدانية النفيسة سوى انتصارٌ صريحٌ لربّات المحفَل في ملحمة الناموس القاضي بالإبقاء على وحدة الكيان الموسيقي، لأن كل وترٍ في الأنشودة هو هوية حياد، تجاهر بنبوءة ربّة.

باستنطاق هذه البُنية في الكيان اللحني نكتشف كم هي مركّبة. فبرغم هيمنة النبرة الموسيقية في واقع الزمان، بيد أن الأرومة فيها تتغنّى بحجج مثيرة للفضول. فتعلّقنا بالموسيقى مستعارٌ من هويّتها التي يُرجعها أفلاطون إلى حركة الأفلاك السماوية حول نفسها، أو حول بعضها، في نظامٍ يعتنق دين اللامنتهي في البُعدين: الزماني ثم المكاني. وهو ما سيستوقفنا، لأن الحركة في عالم الفلك تنتج طائفة من العناصر، علّ أولها السيرورة في فراغ اللامنتهى، أي المسافة، ثم الإحتكاك بقطع النظر عن غياب أجرام في عملية الإحتكاك، سّيما إذا نبّهنا إلى حقيقة حضور الأهوية في مجال حركة الجرم الفلكي، أو حتى غياب الأهوية؛ لأن مجرّد الحضور في الفراغ الفلكي، أثناء الدوران، هو في الواقع، حضور في حيّز يمتلك خصال المجال. أما الخاصية الأكثر راديكالية في الجوقة الفلكية السائرة فهو: الطواف. الطواف كحركة سوف تبقى عدمية فيما اذا لم تستقم في ذلك اللغز الذي اكتسب قداسة في كل الديانات، كما هو الحال مع الدائرة. فالدائرة كمالٌ، كل نقطة فيها بداية و كل نقطة نهاية، تحيل لبداية. أنها نموذج المثال في المنطق الأرسطاطاليسي بوصفها قمقماً يحوي كل الأشكال الهندسية. وهي أيضاً قطبٌ في المنطق الصوفي، لأنها سجيّتها أن تتدحرج دون أن تتكسّر، كما عند ابن عربي. و هي فوق كل شيء أعجوبة تختزل سرّ الكينونة في يقين الديانة السنسكريتية، مجسّدةً في مصطلح "المندلة" التي استعارت منها الديانات التوحيدية الكرات المنتظمة في سلسلة اطلقنا عليها إسم المسبحة.

فالأجرام الفلكية لم تكن لتفلح في الطواف السلس لولا حضورها في قبضة الدائرة، والروح لم تكن لتستعير معجزة الخلود لولا فضل العَوْدُ الأبديّ الذي لا يتحقق بدون هذا الإحكام الصارم، المزموم، المنغلق حول نفسه، المكتفي بنفسه، المتامل لذاته، مثله في ذلك مثل الربوبية التي لم توجد الدائرة إلا لكي تعبّر عن حكمتها.

وليس لنا إلّا أن نتخيّل المرونة العجيبة التي يهبها مبدأ الإستدارة للأجرام الكونية التي تنساب بهذه الفتنة الشعرية عبر فراغ اللامنتهى، لتكتسب في سيرورتها الباسلة جمالاً. فالإعجاز ليس في خلق الكائنات حرفاً، ولكن في خلق كينونتنا جمالاً. هذا الجمال هو الذي يسري في شرايين كل جِرمٍ كونيّ، سيّما الفلكي، فلا يدهشنا أن يجود في مسيرته الملحمية المقدسة، عبر فراغٍ سحريّ لا نهائي، بتلك المعزوفة التي نسميها لحوناً، تشكّلت بفضل إلهامٍ، تحوّل رطانةً، لغة، نداءً صائتاً، نبوّةً، نتلقّفها بحاسةٍ مستعارةٍ أصلاً من هويتها السماوية (لأن فعل "سمع" في اللغة هو حرفياً فعل "سما" لأن العين في الأبجدية ليست سوى همزة في صيغة مكبّرة)، ليستوي الخطاب الفلكي في بشارةٍ تلهمنا فوزاً بفردوسٍ كان حتى وقت قريب ضائعاً، فإذا به يغدو بفضل الخلاص، مستعاداً، فنتشبّث بتلابيبه كلّما اختنقنا بباطل أباطيلنا السفلي، لأن اللحن يعيدنا من اغترابنا الفجيع، ليبرهن لنا على طبيعة الروح التي لا تفنى، المشفوعة بشطحة الطواف، كدليلٍ على العَوْد.