وبعد 70 عاماً منذ الإعلان عن دولة إسرائيل، لا تزال قواعد الاشتباك السياسي (التفعيل السياسي) مُعطلة رغم ثقلهم السياسي إسرائيلياً، وهو ما أثبتته جولات الانتخابات وإعادة الانتخاب الأخيرة.

كان الثقل السياسي والاجتماعي لعرب إسرائيل محورياً في كل المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، إلا أنه تأخر في تطوير أدواته السياسية المستقلة، واستثمر بشكل كبير في تعزيز رمزية منظمة التحرير الفلسطينية على حسابه سياسياً.

إلا أنه مطالب الآن بعدم تأجيل، إن لم نقل تعطيل، ما يمكن أن تنتجه من زخم (رافعة سياسية إسرائيلية) في التأثير على محاور أي عملية سلام قائمة أو مستقبلية. لذلك لم يكن قانون يهودية الدولة إلا تحسباً لتغير معادلة التوازن العرقي داخل الدولة، ولم يخجل اليمين الإسرائيلي من المطالبة بترحيلهم، بناءً على ذلك القانون المتعارض مع المبادئ التي قامت عليها إسرائيل في 1948.

ما أنتجته الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، واقع يجب البناء عليه فلسطينياً، في الاستفادة من دروس ترحيل الملفات الخلافية، وتطوير ذلك الواقع في رفد إدارة الصراع، على أسس واقع سياسي لن يستطيع اليمين الإسرائيلي احتواءه أو تجاهله من قبل القوى الإسرائيلية غير التقليدية الصاعدة مثل حزب أبيض وأزرق. لكن يجب على الكتلة التحول إلى حزب سياسي قادر على تجذير ذلك الواقع السياسي الجديد على الخارطة السياسية الإسرائيلية والدولية.

فإن أراد الفلسطينيون تحسين شروط التفاوض على مشروع السلام الذي اقترحه الرئيس ترامب، يتعين على قيادة منظمة التحرير التخلي عن نمطها التقليدي في إدارة الصراع، وقد يكون أولها تقديم قيادات جديدة أكثر قدرة على القيادة وفق أسس وطنية. ثانياً: توحيد دعم جهود السلطة الوطنية في حراكها القانوني دولياً. أما سياسياً، فإن تحوُّل كتلة الداخل العربي إلى هوية سياسية (حزب سياسي) كفيل بما هو أكثر من ذلك.

كذلك يجب على المؤسسات المدنية العربية غير الرسمية (البحثية والثقافية) الانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني العربية الإسرائيلية أو المتعاطفة مع مواقفها، بهدف تعزيز مكانتها السياسية إسرائيلياً، وتجاوز ما يسوّقه اليمين الإسرائيلي من رفض العرب لعملية سلام حقيقية.

نحن أمام واقع مغاير لكل القناعات التي تأسست عليها المبادئ الحاكمة للصراع العربي الإسرائيلي، وبدل الاستمرار في رفض الاعتراف بتلك المتغيرات، يجب على كل الفلسطينيين إعادة تقييم تجربتهم السياسية، واستعادة زمام المبادرة في تمثيل مصالحهم بما يتناسب مع تلك التحولات.

ويجب على المؤسسات العربية غير الرسمية، البحثية منها والثقافية، ألا تتخوف من الرجم بالتطبيع من تيارات سياسية، فشلت في استنهاض أوطانها، التي طالما رفعت شعار التحرير. وإن كان لنا أن نستحضر التاريخ، فأين هي تلك الدول أو ما يماثلها أيديولوجياً في الواقع السياسي اليوم دولياً وعربياً؟.