وعندما استهدف الرئيس الديمقراطي، باراك أوباما، زعيم القاعدة أسامة بن لادن، صفق له الجمهوريون، رغم خصومتهم الشرسة معه، ورغم الشكوك بأنه فعل ذلك لأسباب انتخابية بحتة، قبل استحقاق معركة إعادة الانتخاب.

أما في زمن الرئيس ترامب، فإن الخلاف الحزبي وصل إلى مرحلة غير مسبوقة، فردود فعل معظم الديمقراطيين على استهداف وقتل قاسم سليماني قبل أيام كانت في منتهى الغرابة، رغم أن سليماني هو المرشد والموجه لكل تنظيمات التطرف والإرهاب، التي تسير في فلك ملالي طهران، مثل حزب الله اللبناني، وحزب الله العراقي، وتنظيم الحوثي وغيرها من التنظيمات، ورغم التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى مسؤوليته عن قتل مئات الأميركيين، هذا عدا جرائم القتل والتهجير، التي ارتكبها في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، قالت إن استهداف سليماني تصعيد خطير، وكأن سليماني سياسي أو دبلوماسي إيراني، وليس جنرالا لا يخلع بدلته العسكرية، يجول في ساحات القتال متنقلا بين أربع دول، ومن شاهد تعابير وجه بيلوسي أثناء تصريحها تملّكه العجب، إذ بدا الأمر وكأنها تلقّت للتو نبأ وفاة عسكري أميركي على يد خصم شرس.

ولم يكن المرشح الديمقراطي، جوزيف بايدن ، أفضل حالا من بيلوسي، ومثلهما معظم الساسة الديمقراطيين، مثل آدم شيف، خصم ترامب الشرس في قضية العزل.

ويخيل للمتابع أن الديمقراطيين دخلوا في حالة من العلاقة الرومانسية مع إيران، بعد سنوات حكم أوباما، الذي يؤكد مستشاره الخاص، بين رودس، في كتابه الشهير: "العالم كما هو" أنه يعشق الحضارة الفارسية ويكره العرب وما ذكره المستشار تدعمه سياسات أوباما في الشرق الأوسط ، عندما تقارب مع إيران، وكاد أن يدمر التحالفات التاريخية بين أميركا وبعض دول الخليج الهامة.

ولأن الديمقراطيين لا يستطيعون شجب قتل سليماني علنا، رغم يقيني بأنهم يرغبون في ذلك نكاية بترامب، وخوفا من ارتفاع شعبيته قبل معركة العزل في مجلس الشيوخ، وقبل الانتخابات الرئاسية القادمة، فإنهم يحتالون بالقول إن استهداف سليماني سوف يفاقم الأوضاع في المنطقة، ويعطي لإيران العذر للقيام بعمليات إرهابية، وكأن إيران كانت حمامة سلام فيما مضى، وكأنها لم تصدر الأمر لوكلائها في العراق، تحديدا حزب الله العراقي، ليطلق صواريخ على قاعدة عسكرية، ثم تأمر عملاءها بأن يقتحموا سفارة أميركا في العراق، وكأنها لم تهاجم منشآت النفط في بقيق، وهذا غيض من فيض الأعمال العدوانية، التي تمارسها إيران في طول منطقة الشرق الأوسط الملتهبة وعرضها، مما يعني أن مقتل سليماني قد يزيد منسوب عملياتها الإرهابية، والتي لم تتوقف يوما ، منذ 40 عاما.

وخلاصة القول هي أن ترامب فاجأ إيران والديمقراطيين معا، فإيران لم تتوقع أن يجرؤ أحد على استهداف أهم رجالاتها، والديمقراطيون لا يرغبون في أن يسجل ترامب أي نصر، خصوصا ضد أشرس خصوم أميركا، ولكن ترامب فعلها، وعرّى خصومه الديمقراطيين، الذين قدّموا المصلحة الحزبية على مصالح أميركا العليا، وهذا أمر لن يغفره الناخب الأميركي.