كما أن أجهزة الدول الصديقة والمتحالفة تتعاون فيما بينها وتنسق جهودها، بما في ذلك الجهود الاستخبارية والأمنية والعسكرية، بل يقوم بعضها بنشاطات داخل بلدان أخرى دون علم سلطات ذلك البلد.

لم نسمع يوما أن بريطانيا احتجت على الولايات المتحدة بسبب انتهاك السيادة الذي قد يحصل أحيانا من الناحية العملية، لكن المصالح المشتركة الواسعة والمتشابكة بين البلدين والتعاون بينهما الذي يدخل في أعماق العمل العسكري والمخابراتي والأمني، ناهيك عن الاقتصادي والسياسي والإداري، يجعل مسألة السيادة ثانوية، إلا في سياقات محدودة مرتبطة بالسلطات الرسمية للدول كعقد الاتفاقيات وإصدار القوانين والسيطرة على الأرض. الشيء نفسه ينطبق على تعامل بلدان أوروبا الغربية واليابان فيما بينها وبين الولايات المتحدة، فهذه البلدان تقع في معسكر واحد وترى أن مصالحها متشابكة وتسير في الاتجاه نفسه، فإن حصل أي تداخل أو تصادم في عمل أجهزتها الاستخبارية أو الأمنية، فهو لا يعني عداءً اوستهانةً ولا يهدف إلى إلحاق ضرر بأي منها، لأن إمكانية التفاهم والتعاون أكبر دائما، بل هي الأساس في التعامل فيما بينها.

نعم، نسمع احتجاجات متبادلة بين الدول الغربية من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى وهذه تحصل نتيجة لتضارب مصالح المعسكرين وليس بسبب "انتهاك السيادة"، الذي عادة ما يستخدم كذريعة للرد أو اتخاذ إجراء معاد للمعسكر الآخر. أحيانا تحصل احتجاجات رسمية حول "انتهاك السيادة" حتى بين الدول الصديقة، وقد تتضمن استدعاءً للسفير أو تخفيضاً للمستوى الدبلوماسي، لكنها لا تعدو عن كونها إجراءات شكلية لا تطال العلاقات العميقة بين الدول والتي عادة ما تستمر وتزدهر.

إذاً، لا توجد في هذا العصر سيادة كاملة لأي دولة، فقد أصبحت المصالح والنشاطات متداخلة والمعلومات عن الدول والأفراد والشركات متاحة للجميع بل أصبحت ملفات الأشخاص ومعلوماتهم الشخصية متوفرة للجميع، والأكثر من هذا أن الشركات تتبادل المعلومات فيما بينها، وبعضها يبيع المعلومات المتوفرة لديه حول الأشخاص لشركات أخرى. وكل شخص لا تتوفر معلوماتُه، أو جزءٌ منها، على الإنترنت، فربما عليه أن يقلق لأن عدم توفر المعلومات يعني أنه ليس مهما ولا يستحق أن تُجمَع حوله المعلومات. وليس كل المعلومات المخزونة صحيحة دائما، فهناك معلومات قديمة أو ملفقة أو غير دقيقة تضعها بعض الجهات، عن قصد أو دونه.

ويعتبر عراقيون عملية القتل التي طالت قاسم سليماني ورفاقه قرب مطار بغداد قبل أيام، انتهاكا للسيادة، باعتبار أن دولة أخرى قامت بها دون علم الحكومة العراقية، علما إن من الصعب على الأمريكيين تنفيذها دون حصولهم على معلومات دقيقة من جهة رسمية عراقية. إن عملية الاغتيال تشكل فعلا انتهاكا للسيادة العراقية إن كانت فعلا قد حصلت دون موافقة الحكومة وبشكل مخالف لبنود اتفاقية الإطار الاستراتيجي المعقودة بين البلدين، لكن المعلومات ربما قدمت لواشنطن بشكل سري، كما فعلت حكومة باكستان في عملية قتل بن لادن عام 2011.

القلق ينتاب العراقيين منذ سنوات عدة من أن يتطور الصراع الإيراني الأمريكي إلى نزاع مسلح على أرض العراق، وهذا ما حذر منه عراقيون كثيرون، بينهم كاتب السطور، لكن الأحزاب الموالية لإيران لم تكترث لأي تحذير بل ظلت تساند إيران وتسهل مهمتها في العراق، بل سعت جاهدة لربط العراق بإيران، المحاصرة دوليا بسبب سياسات حكامها العدوانية والخاطئة، بدلا من ربطه بالمجتمع الدولي وتطوير اقتصاده وقدراته العلمية ورفع المستوى المعاشي لأبناء شعبه. لم تكترث الأحزاب المتشدقة بالدين للدولة العراقية بل أضعفتها عبر الإدارة الفاشلة والممارسات الخاطئة والفساد ونهب المال العام وإبعاد الكفاءات وتعيين الأتباع في مناصب ومواقع غير مؤهلين لها.

لقد غضت أحزاب الإسلام السياسي الطرف عن الانتهاكات الفاضحة للسيادة العراقية التي انتهجتها إيران منذ عام 2003 حتى الآن، وأخذت تقدم لها التبريرات الدينية والمذهبية والسياسية والاقتصادية، حتى امتلأ العراق بالمليشيات والشعارات الإيرانية وصور القادة الإيرانيين، بل حتى أسماء بعض الشوارع أصبحت تطلق على قادة إيران الذي حاربوا العراق ودمروا المدن العراقية وقتلوا وجرحوا أكثر من مليون عراقي. ومن غرائب الأمور أن ممثل الولي الفقيه الإيراني في العراق هو عراقي! لم تُدِن الجماعات المتشدقة بالدين، تأسيس إيران عشرات المليشيات ودفعها إلى العراق لقتل العراقيين الأبرياء واختطافهم لمجرد أنهم عبروا عن رأي لا يروق لقادة إيران. لقد تحول قاسم سليماني إلى حاكم فعلي للعراق، فهو الذي يشكل الحكومة وهو الذي يختار الوزراء ويأمر المسؤولين بتنفيذ مآرب إيران في المنطقة، ولا يعصي له أحد أمرا، حتى أن إحدى وثائق المخابرات الإيرانية المسربة أشارت إلى أن سليماني طلب من وزير المواصلات العراقي، باقر صولاغ، السماح بمرور الطائرات الإيرانية المحملة بالسلاح لدعم النظام السوري، فأجابه صولاغ (من عيني) وهذا هو جواب الخانع الذليل، وليس الوزير في حكومة ذات سيادة.

لقد أشرف قاسم سليماني على تفكيك الدولة العراقية وتسليمها لقادة مليشيات لا يحملون ذرة من الوطنية، بل هم أدوات طيعة بأيدي الولي الفقيه الإيراني ووكلائه في العراق. وعندما اندلعت الاحتجاجات العراقية الأخيرة، اتخذ الولي الفقيه قرارا بقمعها، وكان مندوبه (السامي) في العراق، قاسم سليماني، المخطط والمنفذ، ومنذ اليوم الثالث للتظاهرات، انتشر الملثمون على سطوح المباني وبدأوا بقنص الشبان الأبطال وقتلهم غدرا، ثم استخدموا القنابل الحارقة ضدهم وحاولوا ترويعهم وإرهابهم عبر الخطف والتعذيب والاعتقال. لكن المتظاهرين اظهروا بطولة اسطورية، فلم تُخِفْهم كل هذه الأساليب الدنيئة التي تشير إلى هلع عدوهم وعدم امتلاكه الحد الأدنى لأخلاقيات الخصومة الشجاعة والقيم الإنسانية النبيلة.

الجرائم التي ارتكبها قاسم سليماني بحق العراقيين لا تعد ولا تحصى، من ملاحقة العلماء والأكاديميين والطيارين العراقيين وقتلهم أو تشريدهم، إلى خلق بؤر قلقة وتأسيس عشرات المليشيات وتشجيعها على إشاعة الجريمة والفوضى إلى غسل أدمغة عراقيين وتحويلهم إلى مرتزقة وقتلة، إلى تفكيك الدولة العراقية وإضعافها تمهيدا لضمها إلى الإمبراطورية الفارسية التي يحلم خامنئي بتكوينها، وأخيرا قمع المتظاهرين العراقيين العزل وقتلهم وخطفهم.

كان على الحكومة العراقية، عبر آليات الدولة والقضاء، أن تقتص من سليماني وتخلص العراق منه ومن الخطر الإيراني الذي يمثله، قبل أن يفعل ذلك الأمريكيون، ولكن، لكون العراق ضعيفا ومستباحا، لم يجرؤ أحد حتى على انتقاد سليماني أو أيٍ من أعوانه ومرتزقته. لكن الوعي الجمعي العراقي في تنامٍ مضطرد، لذلك لن تتمكن إيران، خصوصا وأنها تحتضر بسبب الحصار الدولي المطبِق عليها، أن تبقى في العراق، حتى وإن تمكنت من إقناع بعض العراقيين بأنها دولة الإسلام وحامية الشيعة. غالبية الشعب العراقي لا تؤمن بهذه الخرافة. العراقيون ليسوا بحاجة لإيران، بل هم أقوياء وقادرون على إدارة بلدهم وحمايته من الأخطار المحدقة به، وهم يعلمون جيدا أنه لا يوجد خطر يتهدد العراق أكثر من الذي يشكله النظام الإيراني الذي يعتزم ابتلاع العراق أو جعله دولة تسير في فلكه. أتباع إيران في العراق يرددون دائما أن إيران ساعدت العراق في الخلاص من داعش، وكأن ثمن هذه (المساعدة) إبقاء العراق تابعا لإيران مدى الدهر. ينسى هؤلاء أن العراقيين هم الذين هزموا داعش وقدموا في هذا المسعى آلاف الشهداء والجرحى، وأن العالم كله قد هب لمساعدة العراق. أما إيران فقد كانت تدافع عن نفسها، فلو انتصر داعش فإن هدفه المقبل كان سيكون إيران.

لقد دخلت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وأسقطت الدولة العراقية بحجة إقامة نظام ديمقراطي، لكنها انسحبت دون أن تقيم هذا النظام، أو حتى ترسيخ النظام الهزيل الذي أقامته، فسلمت الدولة العراقية تدريجيا إلى إيران، وتجاهلت قلق العراقيين وباقي سكان المنطقة من الخطر الإيراني، حتى أصبح خطرا داهما عندما دخلت مليشيات إيران المنطقة الخضراء، واقتحمت سفارتها علنا وكتبت عليها (سليماني قائدنا)! وكان في مقدمة المقتحمين رئيس جهاز الأمن الوطني، الذي أسسه الأمريكيون عام 2004، فالح الفياض، وزعيم الكتلة البرلمانية الأكبر (أو بالأحرى زعيم المليشيا الإيرانية الأكبر)، هادي العامري، ورجل إيران الأول في العراق، زعيم مليشيا كتائب حزب الله، أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع سليماني في الغارة الأمريكية! المهندس كان مطلوبا للكويت لأنه متهم بتدبير انفجارات فيها عام 1983 نيابة عن إيران، وقد فر إلى إيران عام 2006، وكان حينها عضوا في البرلمان، بسبب اتهامات وجهت له بارتكاب أعمال إرهابية.

إن قتل سليماني وحده لا يكفي، فقد عيَّن خامنئي شخصا آخر مكانه، يقوم بمهامه ويكمل عمله. على الولايات المتحدة أن تتحمل المسؤولية كاملة وتخلص العراق من الاحتلال الإيراني (الاستيطاني) بكل أشكاله، السياسية والاقتصادية والعسكرية. فلولا أمريكا، ما تمكنت إيران من النفاذ إلى العراق والسيطرة عليه. لم يكن لإيران أي نفوذ أو تأثير في العراق قبل عام 2003، لكن هذا النفوذ استفحل تدريجيا بسبب التراجع الأمريكي.

لقد تساهل المجتمع الدولي كثيرا مع خطط إيران الشريرة في المنطقة، وآن الأوان لتطويق النظام الإيراني وإبقائه داخل حدود الدولة الإيرانية ومنعه من العبث بالعراق ودول المنطقة. أما مسألة اسقاطه، فسوف يتولاها الشعب الإيراني الساخط على هذا النظام القمعي المتخلف، كما اتضح من الاحتجاجات الأخيرة التي قمعها النظام قمعا وحشيا، تماما كما فعل مع الاحتجاجات العراقية.