أوروبا هي ثاني أكبر ضحايا الراديكالية الأصولية والتطرف العرقي بعد الشرق الأوسط، وقد يرجع السبب الأكبر في ذلك لاختلالات اجتماعية نتيجة افتراء بعض التيارات الليبرالية على مفهوم الحريات المدنية، مما تسبب في رخاوة متنامية في أدوات الدولة والمجتمع مخافة وصمها بالتمييز الاجتماعي أو مصادرة الحريات.

هذه المعضلة حقيقية، وأوروبا أمام مفترق طرق حقيقي إن هي استمرت في تعطيل أدوات الدولة المدنية في محاسبة الطفرات غير المتجانسة والقيم أو الثقافة الأوروبية.

وبمراجعة هويات منفذي الهجمات الإرهابية منذ مطلع الألفية على الأراضي الأوروبية، نجد أنها باتت الآن 100 في المئة أوروبية الهوية، والحال يتماثل وصعود الأيديولوجيات المتطرفة على أسس عرقية كالنازية والفاشية في عموم أوروبا.

خلال أسبوع واحد كشفت الشرطة الإيطالية عن خلية ذات عقيدة متطرفة نازية (سمو العرق)، وكان بحوزة الخلية سلاح ومطبوعات تمجد النازية، إلا أن أخطر عناصر الكشف هو تشكيلها لشبكة اتصالات واسعة تمتد عبر أوروبا.

وهي لم تكن الأولى، إذ سبق الكشف عن أخرى كان بحوزتها صاروخ مضاد للطائرات عال الكفاءة، بالإضافة إلى ترسانة من الأسلحة الفردية والمتفجرات.

وفي يوم الجمعة الموافق 29 نوفمبر 2019، نُفذت ثلاث عمليات إرهابية اعتمدت السكين سلاحا في قتل مدنيين آمنين، الأولى في لندن والثانية في بروكسل والأخيرة في لاهاي.

مثّلت أوروبا وستمثل منارة للتقدم الإنساني، إلا أنها تعاني اليوم من إفراطها في التسامح مع الثقافات الدخيلة على ثقافتها، أو نتيجة الاختلالات الناجمة عن سوء انصهار مكونها اجتماعيا، وعلى الجانب الآخر أنتجت حالة القلق من تلاشي محددات الهوية الأوروبية عرقيا.

لم يسجل التاريخ الاجتماعي الأوروبي تهميشا لنسيجه العربي أو الآسيوي كما ادعت الحركات الأصولية المتأسلمة في أوروبا، إنما حدث ذلك نتيجة فشلها ثقافيا في الانصهار ضمن أبعاد هويتها الوطنية الجديدة، وإصرارها على اختزالها في قالبها المتأسلم.

وقد سبق للهجرة العربية إلى أوروبا أن حققت ذلك الانصهار والإسهام ثقافيا واقتصاديا في التنمية الأوروبية، إلا أن الوافدين الجدد كان إسهامهم الوحيد هو تحويل أحياء كبرى على امتداد أوروبا إلى "غيتوهات" متنمرة على السلم الاجتماعي، وتعيش عالةً على دولها.

المكافئ لذلك التطرف الاجتماعي لدى اليمين الأوروبي وعودة ظهور الأحزاب ذات العقائد المقاربة للفاشية والنازية، وتبنيها لأجندات وبرامج سياسية قائمة على حماية العرق الأوروبي من التهميش أو التلاشي، نتيجة للهجرة من الشرق.

تمثل كلتا الحالتين تطورا مدعوما بتحولات اجتماعية وسياسية كبرى على مستوى العالم لا أوروبا حصرا، وقد يكون لانتقال فشل تحقق العدالة الاقتصادية إلى دول الشمال، بعد فشل العولمة في انتشال الجنوب من الفقر، دور كبير في تلك الاختلالات الاجتماعية.

إلا أن رخاوة المجتمع والدولة تبعا لذلك، أدى إلى تعمق الإحساس بعقدة الاضطهاد لدى هذه المجموعات، مدعوما بضمانات الدولة المدنية للحريات، الذي يمثل أهم ثوابتها بعد العدالة والكرامة الإنسانية.

وهنا اتسع الشق على الراتق سياسيا واجتماعيا، وتحولت تلك الغيتوهات إلى حواضن، وبات اليمين العرقي قاب قوسين من سدة الرئاسة في أكثر من دولة.

أن تصحو أوروبا اليوم متأخرة من النوم مع شياطين الافتراءات على مقومات الدولة المدنية لهو أفضل لها وللعالم من بعدها، وربما قد يتحتم اعتمادها إعادة صياغة بعض مفاهيم الليبرالية التي تسبب في رخاوة مست ثوابت مفهوم الدولة نتيجة الإفراط في التسامح مع مكونات ثقافية فاقدة للقدرة على الانصهار وطنيا، وأخرى استساغت تحويل مخاوفها إلى عقائد تنحط إلى خانة الفصل العنصري.