ما أتناوله هنا هو الإرث الوجداني وليس المرجعي شيعياً، وتبعات ذلك على الفرد قبل المجتمع، عبر إحدى أعقد عمليات الهندسة الاجتماعية منذ تأسس التيار الأصولي الشيعي المؤدلج والمكافئ لحزب الإخوان المسلمين. كلاهما اعتمد إعادة صياغة وعي الفرد ومفهوم الانتماء وما كان ذلك ليتحقق لولا تعطل ثقافة الدولة الوطنية وأدواتها التنفيذية، فكيف تمكن هذا التيار الأصولي من تعميق الإحساس بالمظلومية واعتماده وسيلة في سلخ الوعي الشيعي من محددات هويته العربية؟ في عام 2011، انتشر فيديو لطفل لا يتجاوز العامين من العمر يبكي متأثراً بمرثية حسينية كلما رددها والده، فكيف نما ذلك الإحساس بمظلومية الحسين رضي الله عنه لدى ذلك الطفل في حين أنه قد يتعايش مع فقد أحد والديه وهو في ذلك السن.

البناء على ذلك الموروث أنتج ثقافة مشوهة ودخيلة على المذهب والفرد إلا أنها لم تغادر مربع الثوابت، إنما زايدت في اختلاق الخرافات مثل إعلان المرشد خامنئي اتصاله هاتفيا بالإمام المنتظر دون أن يسجل أي شيعي في الحيز العام اعتراضا على ذلك. وفر غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 الفضاء الأمثل لمثل تلك الانفلاتات المؤصلة   للهويات الفرعية على حساب الهوية والوطنية. واليوم نشهد حجم الأزمة التي تعانيها دولة مثل العراق نتيجة ارتهان الدولة للمرجعيات على حساب الدولة الوطنية. والمؤسسة السياسية تثبت ذلك العجز بشكل يومي مع تعمق الهوة بين الدولة والمواطن عبر مطالبة المرجعية باتخاذ موقف مواز لموقفها في تأسيس الحشد الشعبي.

محاولة النأي بالنفس من قبل المرجعية الشيعية في هذا المنعطف الاجتماعي والسياسي لن يكون مقبولاً من قبل الحراك الاجتماعي، إلا أن تحديات إعادة صياغة مكانتها على أسس وطنية بعد تغولها طائفيا ستكون أكبر من تحديات القبول بانهيار أمثولة الدولة الطائفية.

تعطل إجراء المراجعات المطلوبة في إرث المذاهب الإسلامية أنتج تغولات لم يعد أمر احتمالها مقبولا، وها نحن اليوم نشهد أبشع صور التغول الطائفي في مذابح المدن العراقية دون اكتراث بحرمة الدم حتى وإن كان شيعياً. فما هي الكلفة الواجب دفعها كاستحقاق للمظلومية؟

إن ما يحدث في العراق ليس حراكاً مدنياً فقط بل مراجعة طال انتظارها لبعض ثوابت المذهب الذي تجاوز على الوطن في وجدان العراقي بعد أن شهد هذا الجيل فشل دولة المرجعية في إنتاج دولة وطنية. هذا الجيل هو من سيحدد ثوابت العلاقة بين المرجعية والدولة وبين المذهب والهوية الوطنية، وإن كان انتقال العراق من شكل الدولة الدكتاتورية الى دكتاتورية المذهب بفعل القوة القهرية، إلا أن التحول القادم سيكون على أسس وطنية بعد الانهيار الكلي لمنظومة ثوابت الدولة الطائفية وجدانيا مهما طال تمسكها بأذيال المرجعيات.