في السفارة الواحدة تتوزع الأدوار. يقوم الملحق التجاري برصد التطورات في ملف الجغرافيا الاقتصادية عبر الإعلام والدوائر المغلقة. يقال بأن الاقتصاد يحرك السياسة، لذا يستنفر الملحق التجاري طاقته لقراءة مشهد المتبرعين من الشركات الكبرى صاحبة الثقل المؤثر؛ ما هي مشاريعها المصيرية؟ ما الذي يصب في تحقيق نجاحاتها، وما الذي يتهددها من مخاطر؟ ما هو الرابط بين الشركة الواحدة المتبرعة والمرشح الرئاسي الذي خصته بتبرعها؟ ما هي الوعود التي أعطيت للناخبين المحتملين ومدى إمكانية تحققها؟ هل ستتحقق الوعود لصالحهم وصالح المتبرعين بصورة مشتركة أم سيستغفلون؟ ما المساحة المتاحة لتسخير القوة الناعمة للدولة المُمَثَلة من خلالها وترك انطباع إيجابي حميم لدى ناخبي الدائرة المعنية ليقفوا ضد مرشحهم وممثليهم في الكونغرس ومجلس الشيوخ إذا ما حيكت مؤامرة لخدمة السياسة الخارجية بصورة تضر الدولة صاحبة التمثيل الدبلوماسي؟

للملحق التجاري أن يراجع أوضاع الدول الإقليمية الأخرى ليتهيأ للمنافسة مع من قد يقدم عرضاً مغرياً للأميركيين ومغرضاً في حق دولته. يراجع الملحق التجاري قوائم السلع والخدمات الاستراتيجية المكملة والمتعارضة مع واردات وصادرات الدولتين ويضع خطة للتموضع التجاري على خط المصالح المشتركة.

بالتزامن مع الملحق التجاري، يهب الملحق العسكري للتقصي من مندوبي مبيعات المجمع الصناعي العسكري العملاق حول الأمزجة الظاهرة للآلة القتالية الأميركية. أي الصراعات تجلب الأرباح الأوفر للمجمع؟ ما هي إسقاطات القوة المحتملة التي تهم واشنطن على خارطة التوترات والصراعات القائمة والمحتملة؟ أي الصراعات أقرب للإخماد وأيها وارد تصاعده؟ هل يحقق الصراع مصلحة مباشرة لواشنطن أو حليفٍ لها أم يقطع الطريق على غريم أو حليفٍ له؟ ما الخطوة السياسية العسكرية التي من الممكن اتخاذها مع الأميركيين أو حلفائهم في الدولة المُمَثَلة وتعد مكسباً؟ وما الخطوة الوارد اتخاذها مع غريم مهاب أو حليفٍ موثوق للأميركيين سواء بين السفارات في واشنطن أم بين دولتي السفارتين كلٌ في عاصمته؟

تقع على عاتق الملحق الثقافي مسؤولية تعريف صناع القرار بالقيمة الحضارية للدولة المُمَثَلة، والتحشيد الخفي للانطباع الإيجابي في أوساط الطلبة والشرائح ذات الثقافة المعقولة. يتوجب الترويج لمزايا الانتماء الاجتماعي والمعيشي والفكري للدولة المُمَثَلة بحيث يبرز معه فرق الأفضلية التي تحاكي تطلعات الفئة المستهدفة، وتعرض المساعدة الخبراتية على ممثليهم النيابيين وقادة الرأي فيهم لاستيراد التجربة الناجحة واستخدامها لحل مشكلة ما أو تطوير ممارسة في المجتمع المصغّر للناخبين المستهدفين.

بعد هذا وذاك، يقدم الإيجاز للسفير، الذي يكون قد درس بصورة مستوفية أجندات وممارسات لوبيات التحشيد وجماعات الضغط، ليبادر بدوره بالتواصل معها حسب الحاجة، مجهزاً بالسيناريوهات التفاوضية الواردة والمفاجئة، ليضمن نشر الانطباع الإيجابي في واشنطن، مع ضرورة تقديمه واستلامه للإفادات المماثلة من مواطنيه السفراء في كبرى عواصم التحالف والتضاد مع الولايات المتحدة، حيث أدى نظرائه وملحقي سفارات دولته الأدوار ذاتها مع التعديلات المناسبة لأجواء السياسة والمصالح فيها.