وبايدن لا شك سياسي محترف، فهو انتخب لمجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير الصغيرة، في عام 1972، ثم أعيد انتخابه ست مرات، حتى اختاره الرئيس باراك أوباما نائبا له.

وبحكم أنني أتابع مسيرته السياسية منذ سنوات طويلة، خصوصا نجوميته أثناء استجواب مرشح الرئيس، جورج بوش الأب للمحكمة العليا، القاضي من أصول إفريقية ، كليرانس توماس، فيمكنني القول إنه سياسي محترف بلا شك.  هذا، ولكنه ارتكب أخطاء بالجملة، فقد اتهم بالغش مرارا، بدءا من مسيرته عندما كان طالبا في كلية الحقوق في جامعة سيريكيوس، وليس انتهاءً بخطب ألقاها ثم اتضح أنه انتحلها من خطب ساسة آخرين، وهذه الفضيحة كانت سببا لانسحابه من السباق الرئاسي لعام 1988، رغم أنه كان فرس الرهان، عند بداية حملته الانتخابية؛ نظرا لشبابه وحيويته ومقدرته على التواصل مع الناخبين.

عندما أكتب عن الساسة الأميركيين، فإنني دائما أذكر وصف: "سياسي من عيار ثقيل"، وهذا الوصف ينطبق على بعض من فازوا برئاسة أميركا، مثل الرئيس المفكر توماس جيفرسون، والرئيس الشجاع أبراهام لينكولن قديما، وجورج بوش الأب وبيل كلينتون حديثا، وجوزيف بايدن حتما ليس من هذه الفئة، وأكرر هنا ما كتبته مرارا من أن الرئيس ترامب ذو حظ جيد، فالديمقراطيون في مرحلة فقر سياسي، إذ إن أفضل مرشحيهم هو بايدن، الذي يبلغ من العمر 78عاما، وهو علاوة على أخطائه التي تطرقت لبعضها، ليس من ساسة العيار الثقيل، وأضيف إلى ذلك اتفاق معظم المعلقين على أنه لا يملك الكاريزما اللازمة للفوز بالرئاسة، فالفوز بأي منصب فيدرالي في أميركا شيء، والفوز بالرئاسة شيء آخر، فهو لا يمكن أن يكون في مصاف ساسة ديمقراطيين سابقين، مثل بيل كلينتون وباراك أوباما، الذي وإن اختلفنا مع سياساته، إلا أن الكاريزما التي يتمتع بها كانت هي السبب الأبرز لفوزه بالرئاسة.

هذا المقال ليس هجاء لجوزيف بايدن، فما صرّح به عن المملكة هو أحد أجندات الديمقراطيين من ورثة أوباما، ولا يعدو أن يكون تصريح مرشح رئاسي، ولو رجعنا إلى التاريخ، سنجد أن ترامب كانت له تصريحات ضد المملكة وغيرها من الحلفاء، أثناء حملته الانتخابية، ثم فاجأ العالم أجمع بعد دخوله البيت الأبيض، عندما جعل المملكة هي محطة زيارته الخارجية الأولى، وأعاد التحالف التاريخي بينها وبين أميركا إلى سابق عهده، فأميركا ليست جمهورية موز، بل الدولة العظمى، التي يحكمها نظام مؤسساتي عريق، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمفهوم التحالفات الدولية، والخلاصة هي أن تصريحات جوزيف بايدن ليست موجهة إلى المملكة، بل إلى خصمه الشرس، دونالد ترامب ، الذي قلب موازين سياسات سلفه أوباما رأساً على عقب، فأوباما كاد أن يدمر التحالف التاريخي بين أميركا والمملكة، وترامب أعاد الوهج لهذا التحالف، وعلينا أن نتذكر أن بايدن كان نائب أوباما، وشريكه في كل سياساته، ومن هنا نفهم سرّ تصريحاته الأخيرة ضد المملكة.