وهي ليست الفئات الأولى تاريخيا في تطبيق هذا النهج، فقد سبقتها حقب سوداء في تاريخ المنطقة - لتسخير الشحن والتحشيد العقيدي والفئوي لتعبئة الشرائح للتناحر نيابة عن أمراء حرب - لا تتسع مساحة هذا المقال لتعدادها.

ما يهمنا من هذا النهج هو الانكفاء الحالي لخطابه، بعد أن كان كثير استحضار لحقب ماضية شهدت فضيلة استثنائية في الحكم، ثم التدثر بها تشبهاً وادعاءً، مع وعود ترتبط بعلامات غيبية والدعوة لتنفيذ اشتراطات مسبقة قبل تحققها.

الجريمة هي أن تشمل الاشتراطات الإذعان المذل للجماهير، واعتبار قبولها للمعاناة من المسلمات المزمنة الثابتة.

هذا الوعظ السياسي المعوج في منطقه قائم على التنظير الغنوصي، والغنوصية السياسية هي النشوة الدينية الموغلة في الغيبيات والغائبة عن الواقع مع استماتتها للتأثير فيه، وقد اختصر شرحها رب العزة تبارك وتعالى للمسلمين – ضحايا أنفسهم في هذا الزمن – في مطلع الآية 111 من سورة البقرة: "وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ .."، يقابلها من حيث المنطق لدى الفئات المذكورة أعلاه ما مفاده أنه (لن يعيش في الدنيا إلا من كان..).

في الطرف المتلقي لهذا الظلم المعيشي والتبرير الغنوصي المجرم هم من نراهم الآن معتصمين في المساحات الحضرية في لبنان والعراق. جماهير شكلت طويلاً رأس المال للمضاربين السياسيين، الذين ضربوا بعرض الحائط قيمة وجود الشعوب بشكل عام، ووجودها حية كريمة بشكل خاص.

يصبر الجيل الأول – الضحية الأكثر تصديقا للتسويف والمماطلة، ويورث الجيل التالي درجة من الإحباط مع ثمن مضاعف يتراوح بين الهلاك والمعاناة.

هذه الحلقة المفرغة تهوي بالسلامة والأمل والقيمة الإنسانية مع ارتفاع كل جيل من المنتفعين يقابله تهاوي جيل يعاصره من المتضررين. هذا الكذب باقٍ، ولا ينفع معه إلا بقاء الاحتجاجات وطنية موحِّدة وموحَّدة.

جميع فئات اللبنانيين والعراقيين بحاجة إلى التكاتف والاستمرار في تجميد مظاهر الإذعان، لأن انهيار الغنوصية السياسية المستوردة من إيران سيتسبب في انكفائها على مشكلات داخلية مدمرة.