إلا أن القفزة النوعية للفعالية، تمثلت في محتوى الجلسات خلال يومين. تسيّدت الأريحية والموضوعية والشفافية مجريات عرض الآراء ومناقشتها بشكل غير مسبوق، وهذا بالتحديد ما يجب أن يُحفَّز على استدامته من قبل مؤسسات صنع القرار الوطني. وقد يبدو أن تأصيل هذه الثقافة وتعميمها عبر القطاعات أمراً بعيد المنال، بسبب تحديات الحاضر، لكن هذه المبادرات من المؤسسات البحثية الوطنية، مثل مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات)، والمؤسسات البحثية الخليجية، قد تكون المسرّع للوصول إلى التكامل المطلوب، بين مؤسسات صنع القرار والمؤسسات البحثية.

تضمنت أكبر محاور الفعالية البنود التالية: فهم وشرح مستجدات مضامين العلوم السياسية والعسكرية، والتحديات البشرية في عصر الأتمتة الكلية والجزئية، وحدود تعلّم الآلات (الذكاء الاصطناعي)، وذلك لما لها جميعاً من تأثير في صنع القرار الوطني، في الأحوال الطبيعية والأزمات.

وكذلك التحديات في مجال الأمن السيبراني (أمن الشبكات الرقمية)، المدني منها والعسكري. أما إحدى أهم الفرضيات التي تم طرحها، خلال جلسة أمثلة المحاكاة للحروب المستقبلية، فهي التي تناولت انهيار شبكة الاتصالات الكلية عالمياً، نتيجة ظواهر طبيعية مثل العواصف الشمسية، كما حدث عام 1859. وتُعرف تلك الحالة بظاهرة كارنغتون Carrington Event   وتكمن الخطورة في تفسير القيادات التكتيكية أو ذات إمكانيات الردع النووي فقدها كل وسائل الاتصال بقيادتها العليا، مما قد يدفعها لاعتماد سيناريوهات معدة سلفاً، في حال استمرت حالة الانقطاع لمدة تتجاوز خطوات الأمان الواجب اتباعها، والقائمة على فرضية تحييد القيادة الوطنية، نتيجة التعرض لهجوم بسلاح نووي.

الجلسة الأخيرة في اليوم الثاني كانت بعنوان "مستقبل مشتريات السلاح في الشرق الأوسط بين تحديات الاستحواذ والتصنيع الوطني".

وهنا يجدر استحضار أهمية البناء على تجارب ناجحة للإمارات العربية المتحدة، والبرامج المستحدثة ضمن الاستراتيجية الوطنية السعودية (رؤية السعودية 2030) للتحول من فلسفة الشراء إلى فلسفة الاستحواذ، وذلك بتوطين المعرفة قبل توطين الإنتاج، عن طريق الانخراط في برامج البحث والتطوير على أسس استراتيجية وليست مرحلية. ويمكننا الاستدلال على ذلك ببرامج إماراتية وسعودية، تراوحت بين وضع المواصفات والمقاييس مع المُصنع للمقاتلة الإماراتية الرئيسية من فئة F-16B60/62، وكذلك برامج مبادلة في كل الصناعات المدنية، إضافة إلى ما حققته وكالة الفضاء الإماراتية من إنجازات كبيرة في مجال الاستشعار عن بعد (المنصات الفضائية، وآخرها خليفة سات). فتلك المنصات الفضائية، توفر للدولة قدرات غير مسبوقة في المسح الاستشعاري، إضافة لتأمين شبكة اتصالات رقمية مستقلة.

وللمملكة العربية السعودية برامج متسارعة، بقيادة الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)، إضافة للقطاع الخاص والبحثي في تطوير وتقديم الحلول، مثل المشاركة في برنامج تطوير قرابة 78 مقاتلة من فئة F-15S  إلى فئة F-15SA من خلال شركة السلام للطائرات، وكذلك في إنتاج طرادات (كورفيت) من فئة Avante 2200 الإسبانية، ناهيك عن تملّك حصة في شركة راينميتال دينيل الجنوب إفريقية المتخصصة في الذخائر المتقدمة.

من شأن اعتماد فلسفة الاستحواذ وتوطين المعرفة والصناعة، أن تسهم بشكل كبير في التعامل مع التحديات المستقبلية السياسية أو الاقتصادية، إضافة لما تمثله ضمن مفهوم الأمن القومي.

بحرينياً، أعتقد أن عناوين نجاح معرض بايدك كثيرة، إلا أن أجملها كان إنتاج ناقلة الجند المدرعة متعددة المهام "فيصل"، وكان لي حوار مفصل مع أحد ضباط قوة دفاع البحرين، عضو الفريق المُكلّف بتطوير الفكرة عام 2006 بأمر من المشير الركن معالي الشيخ خليفة بن احمد آل خليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين، إلى حين وضع المواصفات وإنتاجها وإدخالها للخدمة ميدانياً. اللافت في هذه القصة هو اللفتة الإنسانية بين رفاق السلاح في اختيار اسم (فيصل) لهذه العربة المدرعة، والأجمل أن تصمم وتبنى بسواعد بحرينية، وفولاذ مدرع إماراتي، وبرج عُماني.

كتبت مقالاً عام 2017 تناولت فيه النسخة الأولى من معرض بايدك، وذيلت المقال بكلمة إلى سعادة الشيخ د. عبدالله بن أحمد آل خليفة، رئيس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والطاقة، مفادها أن "سقف النجاح الذي تحقق في النسخة الأولى، سيفرض تحدياته في النسخة المقبلة، وأنا واثق بأنك أهل للتحدي".  بمقدوري الآن، بعد النسخة الثانية القول جازماً إن المؤتمر فاق كل التوقعات، وهو الآن منصة تتماهى وطموحات الشيخ د.عبدالله بن أحمد آل خليفة، للبحرين والأشقاء في المنطقة، ولمعهد (دراسات) ومؤسساته الشقيقة  الخليجية والعربية.