بعد عقود لم يكن خلالها الصمت مضراً بقدر ما هو الآن، نجد أنفسنا نكافح لدرء التلفيق في الأخبار التقليدية الواصفة لحالنا بعد خطب ما، مع دخول التلفيق التقني المزور والناشر للمعلومات المكذوبة أو المضخّمة سلباً على الخط، معزّزاً بالتقنية الحديثة المتضمنة لخوارزميات التعلّم الآلي machine learning algorithms.

فإذا بنا نجد جبهتنا الفاقدة للياقة التقليدية في التصريح الإعلامي السليم تكابد للتصدي لما يتعاظم خطره الآن أمام مجتمعات متمرّسة إعلامياً وبالغة التقدم تقنياً.

هذا هو صراع الذكاء الصناعي artificial intelligence الذي بات لزاما على دولنا إعداد كوادرها الإعلامية والفنية لصنع المدخلات البشرية والآلية التي بمقدورها فرز وعزل وكشف التزوير والتلفيق الاعلامي عالي الحرفية والتعقيد أمام المجتمع، لئلّا يتعاظم حجم الإشاعات والإحباط المصاحب لها.

لدينا نواة لمجموعات تطوعية أو شبه رسمية تفند الرسائل والمواد الإعلامية المؤطرة والمجيّرة بمغزىً هدّام، لكنها ليست بطاقة مثيلاتها المشمولة بإمكانيات مؤسسية لها كادرها سريع التفاعل والتأثير.

فرغم عدم خلو أي مجتمع من آليات الرقابة الرسمية والشعبية، والتنصت الأمني بالحد الذي يراقب محادثات المجرمين ومنشورات الإرهابيين، إلا أن المبادرة بالنشر والتصريح المصحِّحَيْن فوراً للتدليس ليست على قدر الإمكانيات المتاحة وأهمية الهدف.

ارتبط التعريف التقليدي لمصطلح الجيش الإلكتروني بالمتسلّلين المدافعين والمقاتلين تقنياً لأجل سلامة قواعد البيانات والبنى التحتية وأسرار الدول. لكن جيش تصحيح المعلومات و وأد الأكاذيب في مهدها على نفس القدر من الأهمية.

يتطلب الأمر حالياً إشراك ممثلين عن القطاعين الإعلامي والتقني في الجهود المستحدثة التي أُجبرت منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة وغيرها على الشروع في تطبيقها، بعد أن أصبحت فئة المواطن الصحفي تضم عملاء ميدانيين لنشر الإشاعات، وظهور مراكز قياس للرأي تتلاعب بآراء الجماهير وتدير دفة الرأي العام لشرائح مؤثرة في أوساطها.

إن ما يمر به المجتمع الأمريكي والرئيس ترامب سيسجل في مناهج التجربة كأحد أفضل دراسات الحالة للإنقسام حول أثر الأخبار المزيفة في شق وحدة الصف وحضّ أطراف المجتمع على التصارع المفضي للانشقاق، خاصةً مع ما تعمد إلى القيام به نخب انتهازية تخلت عن مبادئها لتحرز غايتها بطرق يندى لها جبين ميكيافيللي الأب الروحي للإنتهازية.