كذلك تجب مراعاة توظيف مفردة "إيران" في خطاب الدولة الخارجي لما لها من اعتبارات تاريخية وإنسانية، وذلك ما يرتكز عليه نظام طهران في إدارة علاقاته الخارجية، في حين تمارس السياسة من منظور "الجمهورية الإسلامية" صاحبة لواء رفع القهر عن المضطهدين في الأرض طائفيا أولا ضمن ما تراه عمقها الاستراتيجي.

لم يسبق للمظلومية الشيعية المسيسة أن حققت مثل هذا الاختراق الاستراتيجي تاريخيا لولا تقاطع مصالح جمهورية إيران الإسلامية مع مشروع الشرق الأوسط الجديد عرقيا وطائفيا (إيران وتركيا وإسرائيل) مع أصحاب المشروع، وتشكيل جغرافيا متناسبة بدل الوطنية.

لذلك مثلت المظلومية الشيعية الأداة الأمثل اقتداء بعد نجاحها في تحويل لبنان إلى جغرافيا فاشلة لا دولة فاشلة فقط، مما قاد لاعتماد النموذج ذاته في العراق واليمن وأفريقيا. يجب ألا يُقرأ الاعتراف الدولي بالمظلومية الشيعية السياسية من منطلقات أخلاقية أو معالجة اختلالات تاريخية، بل هو مصلحي استراتيجي.

انطلاقا من ذلك الواقع، تمكنت الجمهورية الإسلامية من الحصول على اعتراف القوى الكبرى النسبي في تمثيل مصالحها في الشرقين الأدنى والأوسط، انطلاقا من رعاية الطائفة الشيعية وتسييس المظلومية التاريخية للشيعة سياسيا.

إلا أنه من غير الواجب افتراض أن تزاحم القوى الكبرى هو على استرضاء طهران، بل لمهادنتها طمعا في توظيف الجغرافيا الإيرانية أو ما بحوزتها ضمن ما تعتبره عمقها الاستراتيجي في التزاحم الجيوستراتيجي بين الكتلة الشرقية (الصين وروسيا) والولايات المتحدة.

في هذا السياق، يجب أن يُفهم موقف المملكة العربية السعودية بأنه ضروري لعدم الاستدراج في مواجهة عسكرية مع إيران خارج إطار الدفاع عن النفس. فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية أكثر من مرة في عهد الرئيس أوباما استدراج السعودية لمواجهة مباشرة مع إيران في سوريا إيمانا منها بأنها أولا السبيل الأمثل لاستنزافها سياسيا قبل استنزافها عسكريا عبر تلك المواجهة. أما ثانيا، فهو دخول باقي الأطراف على خط الأزمة وإعادة ترسيم الجغرافيا طائفيا لتطال حتى المملكة العربية السعودية.

 استراتيجية تحصين الجغرافيا الوطنية عبر التنمية هو ما اعتمدته المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فهذه الكتلة السياسية المتصلة جغرافيا واجتماعيا تمثل الآن العمق الاستراتيجي الحقيقي، وهو كذلك ما فوت على تركيا وإيران تحقيق ما تم تحقيقه في جغرافيات أخرى من العالم العربي.

وما لجوء إيران لاستهداف منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية إلا نتيجة ما تعانيه داخليا. أما ثانيا، فهي تحاول تعويض خسائرها الاستراتيجية في العراق، واستنزافها في سوريا، وتحجيم حزب الله في لبنان سياسيا واجتماعيا.

على شركائنا الاستراتيجيين الآن إعادة قراءة المشهد استراتيجيا انطلاقا مما حدده معالي عادل الجبير، وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية في إجابته عن حجم المشتركات السعودية الأميركية. فجاءت الإجابة، نحن شركاء للولايات المتحدة الأميركية في محاربة الإرهاب، في إعادة الاستقرار للشرق الاوسط، نحن شركاء في استقرار أسواق الطاقة الدولية، في تأمين الملاحة الدولية، في محاربة الإرهاب في عموم إفريقيا.

 هل يا ترى أن ما تقدمه جمهورية إيران الإسلامية يجيز الاستمرار في مهادنة إيران على حساب ما يتجاوز الأمن والاستقرار في الشرقين الأدنى الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط في حال نجحت إيران في إنجاز أوتوستراد طهران بيروت.