كان ذلك أحد الأسئلة التي تجول برأسي وأنا استمع إلى المحاضر الزائر جيكوب زنِ، المتخصص في الشأن الأفريقي لدى مؤسسة جيمستون.

وجاء حديث المحاضر الزائر خلال محاضرة ألقاها في المركز الإقليمي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية International Institute for Strategic Studies في البحرين.

وتمثل هذه الورش جزءا حيويا ليس في جانبها البحثي، إنما في رسم خريطة لمصادر تهديدا قائمةً أو مُحتملة على استقرار الجغرافيا السياسية والاجتماعية المتصلة أفريقياً، خصوصا في حال تكامل أكثر من تنظيم إرهابي ينشط في أفريقيا غير النامية وغير المستقرة.

بوكو حرام كانت محور ورقة الباحث جيكوب زن، متناولا ظروف نشأتها مرورا بمبايعتها البغدادي أميرا إلى حين خلعها.

التشريح تناول بنى التنظيم واشتقاقاته ودلالات عملياته الكبرى مثل اختطاف الطالبات المسيحيات من إقليم تشيبوك، بالإضافة لمقومات البقاء.

مثل هذا التنظيم قد يكون وازعه الأول الصراع على البقاء في دولة غير مستقرة كنيجيريا عبر تخليق أدوات استدامته من فرض الخوات والفدى إلى الاتجار في السلاح والمخدرات، كذلك بتوفير الحماية للمهربين عبر أراضيه.

القواسم المشتركة بين التنظيمات الأفريقية من بوكو حرام والقاعدة في المغرب العربي (شمال أفريقيا) إلى تنظيم الشباب في الصومال، هو ظاهرها العقائدي نسبيا (مع اختلاف مراجعها في فقه الجهاد). إلا أن أكبر مصادر تهديها هو تجاوزها للجغرافيا الأفريقية (قوارب الموت في المتوسط) هذا بالإضافة لاستدامة حالة عدم الاستقرار في القارة عبر جغرافيتها الاجتماعية المتصلة والعابرة للحدود.

كذلك في حال تكاملها تكتيكيا في استخدام الممرات المؤمنة من قبلها في مناطق النزاع أو في دول فاشلة لتجارة السلاح والمخدرات والبشر فيما بينها أو لمصلحة أطراف أخرى (تنظيمات وميليشيات في شرق ليبيا، دارفور في السودان، جنوب السودان، تشاد ومالي).

وقد تجلى ذلك في عمليات كبرى مثل الواحات الغربية وشبه جزيرة سيناء في مصر وكذلك في النيجر، وسابقا في مالي والجزائر وتونس، كينيا وتنزانيا.

أما في شرق افريقيا (الصومال) فإن حركة الشباب (تنظيم القاعدة) تعد حارس البوابة Gate Keeper في عمليات الاتجار في السلاح والبشر في الكثير من مسارح النزاع ضمن محيطها الجغرافي المباشر أو القريب مثل اليمن، بالإضافة لتهديدها سلامة الملاحة الدولية في منطقة القرن الأفريقي.

ما سبق يقودنا للسؤال المعضلة، أي المسؤولية الإقليمية والدولية في محاربة الإرهاب أو في تحفيز الاستقرار، فهل هي معضلة سياسية أو أخلاقية، ولنأخذ ليبيريا وجمهورية جنوب السودان أمثلة.

تدخل الولايات المتحدة سياسيا لدعم الاستقرار في ليبيريا نتيجة صراع ظاهره سياسي كان ناجحا، في حين أن تدخل المجتمع الدولي في صراع سياسي تمخض عنه ولادة جمهورية جنوب السودان قد فشل وتحول لدولة فاشلة مع أنه تأسس لإنهاء صراع بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي.

جنوب السودان حظي بكل الدعم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، إلا أنها جميعا قد تخلت عنه مع اندلاع الاقتتال بين مكوناته الرئيسية بعد تشظيها في الصراع على الثروات والسلطة.

هذا يقودنا للمعضلة الأخرى، ما هي مقومات تحقيق استدامة التدخل الخارجي بهدف إنهاء الصراعات وتحقيق الاستقرار، مثل توفر الإرادة السياسية (بما فيها الدفاع عن المصالح) أو الوازع الأخلاقي الإنساني، أما ثانيا، بتواجد قوى وطنية أو سياسية قادرة على توفير الغطاء السياسي والأخلاقي للطرف المتدخل.

وثالثا هل ستكون تلك القوى قادرة على تمثيل الحد الأدنى المطلوب في تقاطع مصالح جميع الأطراف (الوطنية، الإقليمية والدولية)؟ للأسف أن أكبر مناطق عدم الاستقرار أو مناطق نمو الإرهاب تنحصر الآن في مناطق حراك صفيحتي النفوذ الجيواستراتيجي المتضادة (الصين والولايات المتحدة).

لذلك ستكون أفريقيا أكبر مسارح الصراع على النفوذ بين القوى الدولية التقليدية والناشئة، وفي حال تم توظيف مناطق الصراع الأفريقية كما تم توظيفها في الشرق الاوسط في أكبر عملية استنزاف للخصوم، ناهيك عن كلفتها الإنسانية، فإننا على موعد مع كارثة إنسانية بكل الأبعاد الممكن تصورها.

وسوف تجعل من ذكريات المجاعة في أثيوبيا والصومال أو مجازر الهوتو والتوتسي في راوندا أزمات صغرى.

الكلفة الإنسانية في سوريا والعراق نتيجة الفراغ السياسي والحرب على داعش كانت غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن حيوية تلك الدول وتقاطع مصالح الجميع فيها سيجعل من أمر تجاوز تركة تلك الكارثة ممكننا مع الوقت. أما في أفريقيا، فيجب تحفيز الإرادات الوطنية لإيجاد شراكات قادرة على تخليق أدوات صناعة الاستقرار أو الاستعانة بحلفاء شركاء لأجل تحقيق ذلك.