أثارت هجمات باريس الأخيرة وحالة التأهب الأمنية القصوى في العاصمة البلجيكية مخاوف من أن بروكسل باتت مهجعا وحاضنة تفريخ للإرهاب، في ضوء معطيات أمنية تشير إلى أن مؤامرات إرهابية استهدفت مدنا أوروبية عدة وبوتيرة متكررة خرجت من قلب العاصمة بروكسل خلال السنوات الأخيرة الماضية.

وخلال الأسبوعين الفائتين، نفذت السلطات البلجيكية حملة أمنية وموجة اعتقالات شملت نحو 20 عملية دهم ضد أهداف اشتبه في أنها توؤي إرهابيين في مناطق عدة في بروكسل ومنها بلدة مولينبيك وإندرلخت وسكاربيك وغيتي ووولوي-سان-لامبير وفوريست، إضافة الى مدينة شارلروا الواقعة إلى الجنوب من العاصمة، بسبب مخاوف من هجمات على غرار تلك التي استهدفت باريس.

فقد كشفت الداخلية الفرنسية أن البلجيكي عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس، كان متورطا بأكثر من 4 هجمات في فرنسا تم إحباطها منذ الربيع الماضي ومنها مخطط هجوم على كنيسة في ضاحية "فيلاجويف" جنوبي باريس في أبريل الماضي، وكذلك في الهجوم الفاشل على قطار تاليس في أغسطس من هذا العام.

ففي 24 مايو من العام الماضي، استهدف متحف يهودي في قلب العاصمة بروكسل في هجوم نفذه فرنسي من أصل جزائري يدعى مهدي نموش وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص من بينهم إسرائيليان وفرنسي وبلجيكي.

وفي 13 يناير هذا العام، ارتبطت بروكسل بهجمات إرهابية في فرنسا، حيث توصلت أجهزة الأمن إلى تحديد مصدر الأسلحة التي استخدمت في هجوم على أحد المتاجر اليهودية والذي أعقب هجوم صحيفة تشارلي إيبدو بيوم على يد الإخوة كواشي، عبر شراء أحمدي كوليبالي أسلحة من أحد التجار المحليين في محطة قطار تدعى "بروكسل ميدي" في العاصمة البلجيكية.

وخلال عمليات دهم أمنية في 14 يناير 2015 في ضاحية فيرفيرس في بروكسل، ألقت أجهزة الأمن البلجيكية القبض على مجموعة من المقاتلين الذين عادوا من سوريا قبل شهر وكانوا يخططون لشن هجمات على مراكز أمنية في بلجيكا. وخلال عملية الدعم قتلت أجهزة الأمن اثنين من المشتبه بهم وألقت القبض على ثالث كما صادرت أسلحة رشاشة بحوزة تلك المجموعة.

وفي 23 أغسطس 2015، أقدم أيوب الخزاني وهو مواطن مغربي على محاولة انتحارية على متن قطار تاليس قادما من العاصمة البلجيكية بروكسل. و ذكرت التحقيقات أن الخزاني حصل على سلاح كالاشنيكوف وذخيرة في إحدى المنتزهات العامة قرب محطة قطار بروكسل ميدي.

كما ارتبط اسم العاصمة بروكسل أيضا بالبلجيكية مليكة العرود الملقبة بـ"الأرملة السوداء"والتي تقبع حاليا في أحد السجون البلجيكية وارتباطها بـ"معز غرسلاوي" الذي أقام فترة في بلجيكا واستأنف نشاطه في تجنيد المقاتلين للتنظيمات المتشددة. ويعتبر غرسلاوي هو الأب الروحي لمحمد مراح الذي نفذ حادثة تولوز ومونتوبان في فرنسا في 2011.

والمثير في الأمر أن الأرملة السوداء ذات الأصول المغربية كانت على ذمة أحد عناصر تنظيم القاعدة عبدالستار دحمان قبل زوجها من غرسلاوي، إذ أقدم دحمان ومجموعة أخرى على قتل أحمد شاه مسعود في سبتمبر من عام 2001 في شمالي شرف أفغانستان.

وقبل نحو عقد من الزمان، كانت بروكسل مركزا لجماعة تطلق على نفسها اسم "شريعة من أجل بلجيكا" والتي تستوحي فكرها من تنظيم القاعدة وارتبط اسمها بعدة نشاطات إرهابية من بينها حسن الحسكي العقل المدبر لهجمات مدريد في عام 2004. كما حكمت السلطات البلجيكية في فبراير 2015 على المتحدث باسمها فؤاد بلقاسم بالسجن لمدة 12 عاما.

وتثير الهجمات، سواء تللك التي نفذت أو أحبطت، الجدل حول مدى قدرة السلطات البلجيكية على وضع حد لأوكار الإرهاب التي اتخذت من بروكسل مقرا ومركزا لتجنيد المتطرفين وتصديرهم بغية الانضمام إلى صفوف المتشددين أو تنفيذ هجمات "منتخبة" في عواصم أوروبية مختلفة.

فالمعطيات الأمنية تشير إلى تورط بلجيكيين من بين الثمانية الذين نفذوا هجمات باريس، وهم عبدالحميد أباعود الذي يعتقد أنه العقل المدبر للعمليات الإرهابية كلها والإخوين إبراهيم وصلاح عبدالسلام، وآخر يدعى بلال هادفي والذي كان قد غادر بلجيكا قبل عام متوجها إلى سوريا للالتحاق بتنظيم داعش ثم عاد لتنفيذ هجوم انتحاري استهدف استاد فرنسا في باريس.

وقد ارتفع عدد المقاتلين الأجانب الذين انضووا لصفوف داعش وقدموا من بلجيكا إلى نحو 516 شخص، مما يعني أن بلجيكا تساهم بشكل كبير في تصدير المقاتلين الأجانب من المتطرفين، خاصة بالمقارنة أعداد المسلمين في بلجيكا والذي يبلغ نحو 640 ألف نسمة، مما يعني أن من بين 1260 مسلما في بلجيكا التحق شخص واحد في التنظيمات الإرهابية سواء في داعش أو القاعدة أو أي من الجماعات المتشددة الأخرى.