هشام تسمارت - أبوظبي - سكاي نيوز عربية

عاد التوتر إلى التخييم مجددا على شبه الجزيرة الكورية، في الآونة الأخيرة، وسط مخاوف من عودة "الإخوة الأعداء" إلى المربع الأول للأزمة بعد التمكن من قطع أشواط مهمة في تطبيع العلاقة الشائكة منذ عقود.

وفي أحدث محطة من محطات الأزمة، قامت كوريا الشمالية، يوم الثلاثاء، بتدمير مكتب الاتصال الذي كان يتولى مهمة التنسيق مع الجنوب في المنطقة الحدودية بين البلدين.

وكان المكتب قد افتتح في سنة 2018، بعد أشهر من لقاء تاريخي بين زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، والرئيس الكوري الجنوبي، مون جاي إن.

وجاءت خطوة تدمير المكتب، ردا على قيام ناشطين ومنشقين في كوريا الجنوبية بإرسال منشورات دعائية صوب الشمال، وهو ما أغضب بيونغيانغ ودفعها إلى التلويح برد قاس في حال لم يتوقف ما تعتبره "استفزازا".

لكن حادثة إرسال المنشورات الدعائية صوب الشمال من خلال بالونات تحمل أوراق الدولار أو أخبار الجنوب وبعض الشرائح الإلكترونية، ليست سوى القطرة التي أفاضت الكأس، لأن تدهور العلاقة بين البلدين كان قد بدأ قبل ذلك.

وشهدت العلاقة بين بيونغيانغ وسيول دفئًأ ملحوظا، خلال السنوات الأخيرة، لاسيما بعد وصول الرئيس مون جاي إن إلى السلطة، وهو سياسيٌ تعود أصوله إلى كوريا الشمالية، حينما كانت الكوريتان بلدا واحدا.

ووضعت الحرب بين الكوريتين أوزارها في سنة 1953، لكن البلدين لم يوقعا اتفاق سلام، بل اتفقا فقط على وقف إطلاق النار، وهذا يعني أنهما ما يزالان في حالة حرب من الناحية العملية.

جمود المباحثات

وإذا كان التوتر متزايدا بين الكوريتين، فلأن مباحثات بيونغيانغ وواشنطن، دخلت نفقا مسدودا، بحسب خبراء، وهو ما يعني تبخر آمال كوريا الشمالية في تخفيف القيود الخانقة على اقتصادها.

وعقد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والزعيم كيم جونغ أون، قمة تاريخية أولى بينهما في يونيو 2018، ثم التقيا في أخرى في فبراير 2019، وفي اجتماع ثالث، التقيا في المنطقة المنزوعة السلاح، في يونيو 2019.

وفي قمة سنغافورة الأولى، اتفق كيم جونغ أون وترامب على نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وبدا أن الأمور تسير نحو الانفراج، لكن الخبراء حذروا وقتئذ من صعوبة تطبيق "التفاهم الفضفاض".

وتكمن الصعوبة في أن واشنطن تشترط أن تتخلص كوريا الشمالية من ترسانتها النووية وبرنامجها الصاروخي قبل تخفيف العقوبات، بينما تمسكت بيونغيانغ أن تجري الأمور على نحو تدريجي، حتى لا تقدم تنازلاتها بدون مقابل.

لكن المباحثات انهارت فعليا في قمة فبراير 2019 المنعقدة بالعاصمة الفيتنامية هانوي، حتى وإن واصلت واشنطن وبيونغيانغ اتباع لهجة ديبلوماسية إلى حد كبير.

أداة للضغط

وتجد كوريا الشمالية نفسها في وضع اقتصادي صعب للغاية، بعد تفشي فيروس كورونا، لاسيما أن البلاد اضطرت في وقت سابق إلى إغلاق الحدود ووقف التجارة مع حليفتها الكبرى ممثلة في الصين.

وكشف مسؤول في وزارة الوحدة بكوريا الجنوبية، أن الشمال يواجه صعوبة في استيراد الحبوب منذ يناير الماضي، بسبب تفشي فيروس كورونا، بحسب صحيفة "شوسن إلبو".

وتعاني كوريا الشمالية نقصا مزمنا، يقدر بمليون طن من الحبوب، بشكل سنوي، وهو مستورد في الغالب من الصين المجاورة والحليفة، لكن هذا التبادل لم يعد قائما في الوقت الحالي.

وفي ظل هذه الأزمة الخانقة، وجمود المباحثات مع واشنطن، تجد كوريا الشمالية أنها لم تستفد كثيرا من "النهج التصالحي والتفاوضي" الذي سلكته مع الجنوب والولايات المتحدة.

وبحسب صحيفة "غارديان" البريطانية، فإن كوريا الشمالية تقوم بهذا التصعيد في مسعى للضغط على كوريا الجنوبية لأجل إنعاش بعض المشاريع الاقتصادية التي كانت مقررة في وقت سابق.

ويقول الخبير في الشؤون الكورية، ديون كيم، إن كوريا الشمالية تشعر بأنها تعرضت للخيانة بعدما خابت توقعات سيول برفع العقوبات الأميركية، فيما تتواصل المناورات العسكرية بين جيشي الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فضلا عن تواصل تدفق المنشورات الدعائية.

أخبار ذات صلة

كوريا الشمالية "تنسف" مكتب الاتصال مع جارتها الجنوبية

في غضون ذلك، تجد كوريا الجنوبية نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي لا تستطيع تطبيع العلاقة الاقتصادية بشكل كبير مع الشمال، نظرا لوجود عقوبات أميركية صارمة، كما أن سيول لا تستطيع التأثير بشكل كبير على المفاوضات بين واشنطن وبيونغيانغ.

وفي الوقت نفسه، تجد كوريا الجنوبية نفسها عاجزة أيضا عن منع الناشطين والمنشقين من إرسال المنشورات، لأن منظمات حقوق الإنسان ترى في هذا الأمر خنوعا لرغبة كوريا الشمالية، كما أن هذا المنع غير قابل للتطبيق بشكل كبير في الجنوب الذي يتمتع بهامش ديمقراطي كبير للتحرك السياسي والمدني.