أبوظبي - سكاي نيوز عربية

"في سجون الخميني، قصصت خصلة من شعري وانتزعت خيطا من جوربي لألفها على عود أسنان وصنعت فرشاة لأستمر في الرسم خلسة من الحراس ولولا ذلك لمت وما صمدت أمام التعذيب".

هكذا تروي إحدى شخصيات الفيلم الوثائقي "ثورتي المسروقة" للمخرجة الإيرانية ناهيد بيرسون سارفستاني كيف ساعدها الرسم على الصمود أمام التعذيب عشر سنوات في سجون أية الله الخميني، لنشاطها السياسي المناهض للجمهورية الإسلامية الوليدة.

بعد ثلاثين عاما من فرارها من طهران في السبعينات تعود المخرجة لتبحث عن رفيقات النضال وعن الخلاص من شعور بالذنب يلازمها منذئذ.

كانت بالكاد في العشرين من عمرها، عندما أنذرها شقيقها بعدم العودة إلى المنزل الذي داهمه الحرس الثوري بحثا عنها. وبدلا عنها، اعتقلوا شقيقها رستم والعديد من الشيوعيين الذين ناضلوا جنبا إلى جنب مع الإسلاميين في الثورة التي أطاحت الشاه محمد رضا بهلوي قبل أن يقصيهم أنصار الخميني.

بعد فترة من اعتقاله أعدم رستم وعذب رفاقها لتقع ناهيد في سجن الإحساس بالذنب لنجاتها. فرت من البلاد مع زوجها وابنتها واستوطنت في السويد.

في محاولة للخلاص وإحياء ذكرى شقيقها، رصدت المخرجة خمسا من رفيقات النضال الشيوعيات اللاتي هربن بعد الإفراج عنهن لتلتقي بهن لأول مرة منذ اعتقالهن وهن ، بارفانيه ونازلي وسودابيه ومنيريه وأزار.

قضى بعضهن عشر سنوات في السجن، واغتصبت احداهن من قبل أحد الحراس. "مع كل ألام التعذيب إلا أنني صمدت، لكن عندما اغتصبت شعرت أنني انكسرت".

في بداية الفيلم، تستخدم المخرجة صورا وثائقية لتروي معها بصوتها أحلام الثورة المثالية وكيف "سرقت الثورة" لتتحول إيران إلى جمهورية دينية يتم فيها اعتقال وتعذيب واعدام المعارضين الذين كانوا لاعبا اساسيا في إطاحة ديكتاتورية الشاه.

تذهب في البدء إلى من كانت قدوتها في طهران التي استقرت في الولايات المتحدة. لكنها تصاب بخيبة أمل عندما تجد أنها لفظت الأيديولوجية التي جمعتهما أيام الشباب والثورة.

لكنها تجد أرضية مشتركة مع خمس رفيقات أخريات، تعشن جميعا في أوروبا، وتدعوهن لقضاء أيام في منزلها في السويد في أول لقاء جماعي منذ الإفراج عنهن.

بعضهن لا زلن يعانين من أثار التعذيب. وإحداهن لا تستطيع صعود السلم بسبب تهشم ركبتيها اللتين ركز السجان على ضربهما بعصا غليظة وبقاءها دون علاج طيلة سنوات الاعتقال.

تقول الأخرى "كانوا يضعون وجهنا تجاه الحائط ثم يقذفون برأسنا عليه حتي تسيل الدماء من أدمغتنا. كنت أكور يدي وأسندها إلى الحائط لأصنع هامش يمتص الصدمة حتى لا يتهشم رأسي".

وبقيت بعضهن ستة أشهر معصوبة العينين جالسة القرفصاء في قفص خشبي كان يسميه المساجين "التابوت".

"كان شعورا رهيبا وغريبا أن ترى النور بعد كل هذه المدة"، كما تقول إحدى اللاتي عانين من ذلك وهي التي أخرجت العصابة خلسة عند خروجها حتى "تظل شهادة على ما كان يجري".

تستعيد الرفيقات كيف كانت "تحشر 100 إلى 120 سجينة في زنزانة مساحتها 12 متر"، وهو ما جسدته إحداهن بتماثيل صغيرة من الفخار.

"عندما فتحوا باب الزنزانة ليزجوا بي فيها كدت أتغوط من الرائحة. عرفت فيما بعد أنها رائحة تعفن جروح التعذيب التي لم تعالج".

إحداهن تتذكر صوت كتائب الإعدام مرتين في الأسبوع، وكيف أن زوجة شقيقها، رفيقتها في الزنزانة، أبلغت أن زوجها سوف يتم إعدامه في الليلة القادمة. "ليلتها، أحصينا 86 طلقة وعرفنا أن أخي قتلته إحدى هذه الرصاصات".

تجد ناهيد خلاصها عندما تبلغها إحدى صديقاتها بعد رحيلها أنها وجدت رفيق شقيقها في الزنزانة فتذهب لتلاقيه في منفاه.

تذهب إليه ليبلغها أخر كلمات رستم له التي أكد فيها استهدافه شخصيا لانخراطه في المعارضة وليس كبديل لشقيقته وكيف أنه صمد أمام التعذيب دون إفشاء أسرار وأن اعدامه كان محتوما حتى وإن كانت شقيقته قد سلمت نفسها.

تقول المخرجة لسكاي نيوز عربية "لقد أنتجت هذا الفيلم لأن النظام الذي قام بهذه الفظائع لا يزال موجودا ولا يزال يحكم".

"إن الغرب والعالم يتعامل مع هذا النظام لأن المال والمصالح والقوة أهم بالنسبة لهم من الصدق وحقوق الإنسان، لذا كان يجب أن أوثق ذلك حتى لا ننسى".