بين سيل كتب أخرجته المطابع عن الانتفاضات العربية، يكتسب كتاب "كرامة.. رحلات في الربيع العربي" للبريطاني جوني وست قيمة خاصة.
فالكتاب وضع بعد زيارات ميدانية عدة إلى المنطقة، ومقابلات أجراها المؤلف مع فئات متباينة، ما بين سياسيين وموظفين وحتى عمال، ليخلص في النهاية إلى لوحة متشابكة، محتشدة بالتفاصيل عما جرى في 3 من دول ما اصطلح على تسميته بـ"الربيع العربي".
"بداية تقليدية"
يبدأ وست، الذي عمل بوكالة رويترز" مراسلا في أوروبا والشرق الأوسط، القصة من بدايتها التقليدية، حين استيقظ البائع التونسي محمد بوعزيزي صباح 17 ديسمبر 2010 ليلحق بالسوق، قبل أن تتداعى الأحداث على النحو الذي وضع المنطقة برمتها لاحقا على فوهة بركان.
وفي مصر.. يتجه المؤلف إلى مدخل البناية السكنية التي عاش بها الشاب خالد سعيد بمدينة الإسكندرية الساحلية، حيث بدت واقعة مقتله مثالا آخر على وحشية الشرطة في مصر.
ومن موقع الشرارتين، سيدي بوزيد في تونس، والإسكندرية في مصر ينطلق المؤلف في سعيه للإجابة عن سؤاله المهم.. كيف كانت حياة الشابين التونسي والمصري؟ ولماذا انتهتا على ذلك النحو؟
إن كتاب وست، وكما يؤكد بقلمه، ليس كتابا عن بوعزيزي أو عن سعيد، فأي من الشابين لا يمكن اعتباره ثوريا أصيلا، إنه كتاب عن عالميهما، وكيف شكلت حياتهما تجسيدا لحياة ملايين من شباب المتظاهرين الذين أسقطوا، سلميا، نظامين دكتاتوريين في أقل من شهرين.
وفي سبيل ذلك يضع وست نفسه في قلب الأحداث، ففي سيدي بوزيد يحاور أنيس الشعيبي، شاب من الولاية، تظاهر في نفس اليوم الذي أشعل فيه بوعزيزي النار في نفسه، وينقل عنه قوله الذي اقتبس منه عنوان الكتاب "إنها ثورة الكرامة".
وفي القيروان.. يحاور 3 شبان اعتقلوا أثناء الثورة.. يسمع كيف قبض عليهم، وكيف تم احتجازهم، وكيف كان هناك الكثير من الضرب الوحشي والشتائم.
المشهد ذاته يتكرر في مصر، وفي ليبيا، وإن اختلفت الأماكن والأسماء، "صناعة قهر" واحدة، وشباب بلا مستقبل، وحكام مسنون، متغطرسون، شعارهم "أنا ومن بعدي الفوضى"، وفي مقابل ذلك قفزة تكنولوجية هائلة، ووعي أكثر، ورغبات مكبوتة تبحث عن الشرف والثقة والاهتمام.
على أرضية واسعة من الحوارات والشهادات والمعاينات يقدم وست كتابه، رحلات من قلب "دول الربيع"، ينقل خلالها قصصا يرويها فتيان وفتيات، يستمع ويناقش ويحلل، ثم يضع الصورة كما رآها أمام قراء كتابه.
لكن وست، وفي ختام كتابه الذي أصدرته دار الشروق المصرية، يرى أن الحالة التي أشعلتها هذه الحوادث "لا تزال دائرة"، ويشير إلى أنها ستظل هكذا لبعض الوقت، لا أحد يعلم أين أو متى ستتلاشى النار التي أشعلها محمد بوعزيزي، إن كانت ستتلاشى، لكن المؤكد أنها قلبت العالم العربي رأسا على عقب.