لمياء راضي

بعد مضي عامين على ثورة ليبيا التي تحل ذكراها يوم 17 فبراير، و6 أشهر من قرار الحكومة الليبية حل الميليشيات المسلحة ودمجها في القوات الأمنية والجيش النظامي، لا تزال هذه التشكيلات تفرض سطوتها في مناطق حيوية من البلاد، وتثير مخاوف المواطنين من اتساع نفوذها وتكوينها دولة داخل الدولة.

وعلى خلفية مقتل السفير الأميركي في سبتمبر الماضي أثناء وجوده في بنغازي، شرقي ليبيا، و3 من العاملين معه بيد محتجين اقتحموا مبنى القنصلية بسبب فيلم مسيء لني الإسلام، خرجت مظاهرات غاضبة شارك فيها آلاف الليبيين، وطردت على أثرها ميليشيات "أنصار السنة" من المدينة وأغلقت مكاتبها بعد ما أثير عن مشاركتها في الاغتيال.

عندها قررت السلطات الليبية حل جميع الميليشيات والمجموعات المسلحة "غير المنضوية تحت سلطة الدولة"، وحدد الجيش من جهته أيضا وقتها مهلة 48 ساعة للميليشيات والمجموعات المسلحة لإخلاء المباني العامة وممتلكات أعضاء النظام السابق في العاصمة وجوارها.

إلا أن مدنا ليبية، خاصة بنغازي، شهدت في الفترة الأخيرة مسلسل اغتيالات شمل نحو 35 شخصية أمنية سابقة من عهد العقيد الراحل معمر القذافي، كما تفشت ظاهرة اختطاف المواطنين وتعذيبهم اتهم ارتكابها أعضاء ميليشيات، لـ"تصفية حساباتهم" مع من يخالفهم الرأي.

وكان من أبرز هذه الحوادث اغتيال قائد الأمن الوطني فرج الدرسي في نوفمبر الماضي، وقيام مجموعة مسلحة مجهولة في يناير باختطاف المقدم عبدالسلام المهدوي رئيس قسم البحث الجنائي في مديرية الأمن الوطني في بنغازي.

وأعلن وزير الداخلية العميد عاشور شوايل انضمام أكثر من 27 ألفا من "الثوار" الذين كانوا يعملون في اللجنة الأمنية العليا إلى وزارة الداخلية، وأشار الى أن جزءا من فرق الإسناد، وبعض فروع اللجنة، يساهمون الآن مع الشرطة والجيش في بسط الأمن وتحقيق الأمان.

ودعا شوايل الكتائب المسلحة إلى تسليم أسلحتها والانضمام إلى أجهزة الدولة للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار و"الالتفات إلى بناء ليبيا".

ويقدر عدد المليشيات المسلحة في ليبيا بنحو 2000 ميليشيا، لكن لا يوجد إحصاء محدد بعدد المنضمين إلى صفوفها الذين يقدروا بنحو 100 ألف شخص، غالبيتهم من الثوار الذين حاربوا كتائب القذافي وأسقطو نظامه، ويرون أن لهم الأحقية في فرض الأمن ويرفضون تسليم أسلحتهم.

وأشار المشاركون في مؤتمر أمن ليبيا الذي عقد هذا الأسبوع في باريس، إلى أن ليبيا ورثت مخزونا من الأسلحة والأجهزة والمتفجرات، وأن ترسانة كبيرة منها لا تزال خارج سيطرة الحكومة الليبية، وتمثل تهديدا مباشرا لأمن البلاد والمنطقة.

وقد سلطت الاشتباكات العنيفة التي وقعت في العاصمة طرابلس وبنغازي، في نوفمبر واستخدمت فيها قذائف "آر بي جي" ومدافع رشاشة وقنابل، الضوء على سطوة المجلس الأعلى للأمن الذي كان طرفا في هذه الأحداث.

ويتكون المجلس من ائتلاف من الميليشيات التي انضوت تحت لواء وزارة الداخلية، في إطار خطة الدولة لضم الميليشيات المسلحة إلى الأجهزة الأمنية.

إلا أن المجلس أصبح رمزا لازدواجية المؤسسات والمعايير الأمنية، وأصبح يشكل جهازا أمنيا موازيا للداخلية، مستفيدا من قصور الأجهزة النظامية، ومرتكزا على سمعة أعضائه كثوار شاركوا في المعارك التي أطاحت القذافي، تماما كما تعمل ميليشيا "درع ليبيا" كمنظومة موازية للجيش.

ويضم المجلس الأعلى للأمن عشرات آلاف الأعضاء الذين يؤمنون المباني في المدن ويجوبون الشوارع في دوريات وهم يرتدون زيهم الأسود الذي يحمل شعار المجلس، أو بالملابس المدنية، ويشاركون في فرض الأمن على الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش جنبا إلى جنب مع أفراد الشرطة.

وفي سبتمبر الماضي اقتحم أعضاء من المجلس فندق ريكسوس في طرابلس احتجاجا على مقتل زملاء لهم من أعضاء المجلس، في حادثة أثارت الذعر بين المواطنين والمستثمرين.

يذكر أن عددا كبيرا من أعضاء المجلس هم أنفسهم من أنصار الجماعات الدينية المتشددة، واتهمت إحدى المجموعات التابعة له بهدم أضرحة صوفية من دون عقاب أو مساءلة.

ومن أكبر الكتائب في ليبيا كتيبة 17 فبراير، ثم كتيبة راف الله السحاتي التي يقودها إسماعيل الصلابي الذي نفى مؤخرا اتهامات وجهها له مواطنون بأن كتيبته تمتلك سجنا سريا تعتقل فيه أكثر من 100 مواطن وتقوم بتعذيبهم.

وفي يناير وجه رئيس الحكومة المؤقتة علي زيدان رسالة إلى الكتائب المسلحة قال فيها: "من الآن فصاعدا نوجه لجميع قادة المجموعات المسلحة بأن مسألة القبض على الأشخاص هي من صلاحيات النائب العام، وأن أي شخص يقوم بذلك سيتعرض لا شك لعقوبات، وهي عقوبات لا تسقط بالتقادم".