لم يكن مليون ونصف لاجئ سوري دخلوا الأردن وحدهم العبء السكاني، الذي دخل الأرض والمجتمع والحياه الأردنية وترك أثقالا على الأردنيين في كافة المجالات.

فالأزمة السورية لها ذيول أخرى منها مخيم الركبان، الذي أقيم على الأرض السورية قريبا من الحدود الأردنية، وهو ليس مخيما عاديا بل مدينة مؤقتة سكانها من مدن ومناطق دخلتها التنظيمات الإرهابية، وكان المخيم أيضا يضم عناصر من هذه التنظيمات، أما أعداد الساكنين لهذا المخيم فقد تراوحت بين 70 إلى 120 ألف ساكن.

مخيم الركبان أقيم لأن الأردن رفض إدخال سكانه، لأنهم قد يشكلون خطرا على أمنه، بسبب قدومهم من مناطق خاضعة للتنظيمات الإرهابية، وكان بؤرة قلق فهو تجمع من عشرات الآلاف يحتاجون إلى تدقيق وعمل معلوماتي ضخم حتى يتم معرفه اتجاهاتهم وانتماءاتهم.

وفِي نفس الوقت فإن فيهم عائلات ونساء وأطفال يحتاجون للرعاية ومتطلبات الحياة، وفِي محددات القرار الأردني فإن العامل الإنساني والعربي هام جدا، لكن قسوة المرحلة واحتمالات الخطر القادم من مخيم الركبان على أمن الدولة والأردنيين محدد هام جدا ومصلحة عليا للدولة، التي عانت وتعاني من استهداف التنظيمات الإرهابية لها.

ومن وجهة نظر التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها داعش، فإن مخيم الركبان كان نقطة متقدمة لهم لجمع المعلومات ومحاولة القيام بعمليات إرهابية، فالمخيم يبعد عن نقاط المراقبة الأردنية المتقدمة حوالي 3 كيلومترات، وهم يعلمون أن الكثافة السكانية المقيمة في المخيم تجعل من الصعب مراقبة كافة تفاصيله، كما أنهم يعلمون أن طبيعة الموقف الأردني، الذي يعطي أولوية للجانب الإنساني يمكن أن تكون في صالحهم في حال عملوا على ترتيب أي عمليات إرهابية.

الأردن أصر على أن يبقى هؤلاء اللاجئون داخل الأراضي السورية، وفِي نفس الوقت كان هناك تنسيق مع المنظمات الإنسانية على إدخال المساعدات إلى سكان المخيم عبر ممر تفتحه القوات المسلحة الأردنية في السواتر الترابية.

وكان هذا الحل يمنح اللجوء لسكان الركبان، في الوقت الذي يحقق للأردن حدا معقولا  من الإجراءات الأمنية، التي تمنع استثمار التنظيمات المتطرفة لواقع المخيم وظروف ساكنيه.

لكن تجمعا سكانيا بعشرات الآلاف مجهولي الولاءات التنظيمية، المخترقين من قبل التنظيمات الإرهابية يبقى بؤره قلق أردنية، ومنطلقا لاستهداف الأردن وأمن حدوده، حتى كانت اللحظة الدموية في رمضان من عام 2016 حين اخترقت بضع سيارات مفخخة الساتر الترابي وقت الفجر، حتى وصلت إلى نقطة المراقبة المتقدمة، وفِي تلك العملية استشهد عدد من أفراد القوات المسلحة الأردنية.

هذه العملية أثارت الرأي العام الأردني واتخذت الجهات المسئولة قرارا بإغلاق الحدود الأردنية ومنع دخول أي شخص من المنافذ غير الشرعية إلى الأراضي الأردنية، وتأكدت القناعة لدى الجميع بأن هذا المخيم بؤرة قلق أمني، فهو خارج سيطرة الدولة الأردنية لأنه على الأرض السورية، وليس تحت سيطرة الدولة السورية، ولهذا لجأ الأردن إلى خطوات وقائية منها تشديد الإجراءات العسكرية على الحدود، والأهم كان تشجيع العشائر العربية السورية المقيمة في المخيم على تنظيم نفسها وإنشاء إدارة ذاتية للمخيم وحمايته من محاولات الاختراق من تنظيم داعش.

وقد نجحت هذه الخطوة بشكل كبير في محاوله ضبط إيقاع هذا المخيم، مع إبقاء الممرات التي تسمح للمنظمات بتقديم الدعم الإنساني ومتطلبات الحياة لسكان المخيم من خلال الحدود الأردنية.

وإذا كانت عصابة داعش قد استطاعت النفاذ في رمضان 2016، مما أدى إلى سقوط عدد من شهداء الجيش الأردني، فإن المحاولة التي تمت عام 2017 لتكرار الأمر تمت مواجهتها من قوات حرس الحدود الأردنية والقضاء على المجموعة، التي حاولت تفجير سيارات مفخخة.

لكن مخيم الركبان، الذي مازال قائما حتى الآن، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية التي يمثلها، يعتبر بؤرة قلق سياسية على الأردن من خلال ما يصدر من إشاعات واتهامات باطلة بحق الأردن بين الحين والآخر.

ويتهم الأردن بمنع دخول المساعدات الإنسانية أو بأن الأردن ينوي إغلاق المخيم، وهي اتهامات ذات طابع سياسي لممارسة ضغوط علىه، فالأردن يعمل وفق معادلة تحفظ أمنه وأمن مواطنيه من جهة وتقديم الدعم الإنساني لسكان المخيم، أما الادعاء بأن الأردن يريد إغلاق المخيم فهو أمر غير وارد لأن المخيم داخل الأراضي السورية وسكانه سوريون، والأردن ليس معنيا بدخول أي جندي للأرض السورية.

لكن الجانب الآخر من المشهد فيه اتهامات ذات طابع سياسي، غايتها الضغط على الأردن واتهامه بترحيل لاجئين سوريين، والبعض يحاول الربط بين شكوى الاْردن من تقصير المجتمع الدولي تجاه ملف اللاجئين السوريين ليعزز هذا الاتهام، لكن منطق الواقع يقول إن الاْردن ملتزم بما يفرضه القانون الدولي من جهة وواجبه العربي والإنساني من جهة أخرى، لكن حق الأردنيين على دولتهم أن تحميهم من إرهاب وإرهابيين قد يدخلون تحت أي عنوان.