في مقال سابق تحت عنوان (ترجمة ترامب سياسيا) تحدثت عن حالة الانفصال بين مفهومي الرئاسة والرئيس، التي يعاني منها الرئيس ترامب.

فالرئاسة مؤسسة وطنية، في حين يتعاطى معها ترامب على أنها مؤسسة خاصة، وقد تكون رسالة عزل مدير FBI، جيمس كومي، ترجمة حقيقية لتلك الحالة حتى بعد لجوئه لتبرير ذلك كونه عمل بتوصيةٍ من المدعي العام ونائبه.

أرجعنا ذلك القرار للحالة النيكسونية (نسبة للرئيس ريتشارد نيكسون) في البيت الأبيض إبان فضيحة ووترغيت ودخول الإدارة حينها على خط مواجهة مع مؤسسة القضاء الأميركي، مما أنتج أزمة دستورية فرضت استقالة الرئيس لاحقا.

ولجأ الرئيس نيكسون حينها لاتخاذ الكثير من القرارات المتضاربة في محاولة لاحتواء الأزمة، إلا أن إقالته للمحقق الخاص أرتشبولد كوس جعل المدعي العام إليوت ريشاردسون يتقدم باستقالته.

واستهدف قرار إقالة مستشار شؤون الأمن القومي، مايكل فلين، لإنهاء الأزمة، إلا أن النتيجة جاءت عكس ما اشتهى الرئيس ترامب بحرق كل الجسور بين هذا التحقيق والمكتب البيضاوي في حال إدانة الجنرال فلين.

فالشواهد كلها تشير لتحول هذه الأزمة الى "فلين غيت" أي أزمة قانونية دستورية. ففي 10 من مايو الجاري توجهت بسؤال عبر تويتر لرئيس تحرير مجلة الفورين بوليسي السيد ديفيد روثكروفت: "هل المشهد السياسي على موعد مع فلين غيت مرتقبة؟" فأجاب: "بل نحن مقبلون على ما هو أسوأ من ذلك بكثير".

وما يتسرب للإعلام من تضارب بين رغبة الجنرال فلين التعاون مع لجنة التحقيق شرط حصوله على ضمانات بعدم مقاضاته وأخرى تؤكد عكس حدوث ذلك يضفي على المشهد ظلالا رمادية.

وقد يفضل فلين الوقوع على سيفه كفارس لإنقاذ الإدارة من الدخول في أزمة دستورية كما فعل العقيد أوليفر نورث إبان فضيحة "إيران كونترا غيت"، حين قرر العقيد نورث تحمل كامل المسؤولية للحيلولة دون أن تطال المساءلة الرئيس ريغان شخصيا.

كل السياسة، من حيث الممارسة، ممكنة أميركيا شرط تجنب المثول أمام لجنة تحقيق رسمية تشترط أداء اليمين القانونية، فالحنث باليمين ليست مخالفة سياسية بل جريمة دستورية.

وبعضنا لايزال يتذكر "مونيكا غيت" والمحقق الفدرالي كينيث ستار، فحالما تأكد للمحقق الخاص في تلك القضية بأن الرئيس كلينتون قد حنث باليمين أخذت القضية منحى آخر كاد أن يقود لعزل كلينتون، عندها اضطر بيل كلنتون إلى التماس الصفح بكل مذلة من الرأي العام والكونغرس بالإضافة لزوجته هيلاري لتفادي عزله.

ترامب مثقل الآن بانقسامات داخل إدارته بالإضافة لملفات داخلية وخارجية بالغة التعقيد، وإقالته لمدير الإف بي آي أضافت للمشهد تعقيداً على تعقيد لدرجة أن بعض قيادات الحزب الجمهوري فضلت الحياد مخافة إدانة الرئيس لاحقاً بعرقلة العدالة.

قبل الجنرال فلين بالإقالة من منصبه ظناً منه أن تلك ستكون نهاية المطاف، إلا أن التصريحات المتضاربة حول ملفي التلصص الروسي على البريد الإلكتروني الخاص بالمرشحة كلينتون واتصاله بمسؤولين روس بات يحمل أكثر من قراءة.

فنحن الآن أمام ما يعتبره القانون الفيدرالي جريمة حينما أغفل الإشارة إلى لقائه بمسئولين روس "بصفته" في الإقرار الرسمي، الذي قدمه لإدارة التحقيق الفيدرالي "FBI" قبيل استلام مهام منصبه.

وجد الديمقراطيون في ذلك التجاوز القانوني ضالتهم للإجهاز على ترامب ولو معنويا إن لم ينجحوا سياسيا، بل حتى صهر الرئيس و مستشاره الخاص جاريد كوشنر بات هو الآخر في مرمى نيرانهم القانونية.

لذلك تتم الآن مراجعة كافة الإفادات الرسمية التي قدمها كوشنر للمؤسسات الفيدرالية قبيل استلام مهام منصبه.

وتمنح المادة الخامسة من الدستور الأميركي المستجوب حق الامتناع عن تجريم الذات أمام لجان التحقيق الرسمية للكونغرس، إلا أن لجوء أيٍ منهما سيكون بمثابة أداة إدانة قد تفرض مثول الرئيس أمام لجنة التحقيق لاحقا. وستحتم إدانة فلين أو كوشنر أو كليهما انتظارهما لعفو رئاسي بعد انقضاء العهدة الرسمية للرئيس ليتمكن من إصدار عفو رئاسي.