كان خطاب وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي امتد 70 دقيقة، منافحا فيه عن قرار إدارة الرئيس باراك أوباما الامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن 2334 حول قانونية الاستيطان الإسرائيلي، عاطفيا أكثر منه سياسيا. وكان كيري واضحا: "لا يمكن أن تكون إسرائيل يهودية و ديمقراطية".

القرار مثل إدانة أخلاقية للاستيطان الإسرائيلي، وقد عبر عن ذلك تصفيق أعضاء مجلس الأمن غير المسبوق بعد الانتهاء من التصويت.

لكن هل مثل امتناع الولايات المتحدة عن التصويت صحوة أخلاقية؟ بالتأكيد لا، فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس احتلال أراضي الغير منذ تأسيسها في 1948 تحت غطاء واشنطن.

أما هذه الحرب الكلامية بين أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فهي أقرب لتصفية حسابات سياسية تمس ملفات ذات حساسية، خاصة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وليس آخرها إقحام روسيا على خط مسارات عدة في ملفات هذه المنطقة من قبل حكومة إسرائيل.

وقد يمثل التقارب الروسي التركي بهندسة إسرائيلية تهديدا للعلاقة الاستراتيجية التاريخية بين الولايات المتحدة وتركيا.

التصويت في مجلس الأمن سبق مؤتمرا حول السلام في الشرق الأوسط كان من المزمع انعقاده في باريس في ديسمبر، إلا أن التعنت الاسرائيلي فرض تأجيل انعقاده الى 15 يناير 2017.

فهل جاء عدم التصويت الأميركي نتيجة ضغط أوروبي؟ وكذلك، ما هي القيمة السياسية الحقيقية لهذا التصعيد في الموقف إن لم يكن محاولة أخيرة من الرئيس أوباما بحثا عن إرث سياسي يتناسب وتاريخ أول رئيس أميركي من أصول إفريقية فشل في كل مشاريعه السياسية الخارجية من الحرب على الإرهاب إلى تحقيق الأمل.

يبقى الوزير كيري المجالد الأخير في إدارة أوباما التي تخلى عنها الكثير من الوزراء احتجاجا على سياسات رئيسها. وها هو الوزير كيري يجالد لمدة 70 دقيقة مدافعا عن أخلاقيات هذه الإدارة التي تخلت عن كل مواقفها الأخلاقية و السياسية في سوريا والعراق وليبيا.

وقد استشهد كيري بكلمات الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، حيث قال: "في عشائي الأخير مع بيريز قال لي لقد أخذنا 78% من أراضي 48 المخصصة لفلسطين، هذا يكفي".

ما نسى أن يذكره السيد كيري أن بيريز يعد أكبر مغتصبي الأراضي العربية المحتلة، وأما الاحزاب المتآلفة مع حزب الليكود التي تعتمد مبدأ "أرض يهودا والسامرة (الضفة الغربية) كلها يهودية" فموقفها هذا لم يتغير منذ دخول أوباما البيت الأبيض. 

قد يمثل قرار إدارة أوباما عدم التصويت على قرار مجلس الأمن 2334 ما يمكن وصفه (الحب القاسي Tough Love ) الذي نصح به الجميع منذ سنوات طويلة، لكن أن يأتي في هذا التوقيت فهو يقارب من حيث القيمة السياسية قبلة عبر الأثير.

إسرائيل تدرك تماماً أنها نجحت قانونيا في توأمة الصهيونية باليهودية، لذلك سهل عليها تحييد الموقف الأوروبي لعقود طويلة. و ما كان ذلك ليتحقق لولا الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل في كل تجاوزاتها للشرعية الدولية.

الملف الفلسطيني بعد هذا التصعيد السياسي سيفرض نفسه على طاولة دونالد ترامب في أيامه المائة الأولى، وقد يحفز ذلك نتنياهو على الطلب من الرئيس الأميركي الجديد الوفاء بعهوده في نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

سيبقى الوزير كيري آخر رجال الرئيس أوباما، لكننا قد نقرأ في مذكراته لاحقا أن الموقف من القرار 2334 كان قرار الوزير وليس الرئيس.