ما يجب أن يدرك عربيا و دوليا أن إرث دم حلب سيتجاوز الحرب الأهلية السورية الى إرث كراهية طائفي مستدام وصور أبشع من الإرهاب ستتجاوز كل ما عرفناه سابقا. ذلك الإرهاب سيكون إرث الثأر لأب أو أم تجذر مكوناً في وجدان الأطفال، متجاوزا الانتماءات الوطنية وعبثية السياسة.

يخطئ من يعتقد أن بعض العواصم سيسلم من ذلك، فإن لم يكن عاجلا فهو آجل. وجميعنا شريك بعد أن سمحنا بتأصل "طأفنة" الإسلام و من ثم تسييسه. فمهما اجتهدنا اليوم بالنأي بالنفس، إلا أن إرث الحسين ويزيد هو ما سوف يتسيد المشهد من اليوم فصاعدا.  

إن ما برر لمجازر سوريا هو غزو العراق بالأمس، و ما سمح بحدوث ما جرى للعراق كان فشل مشروعات الدولة ليس في العراق بل في عموم عالمنا العربي سياسيا واجتماعيا وتنمويا.

فما صاحب غزو العراق من جرائم لم يكن بأقل مما حدث و يحدث في مدن و قرى سوريا الآن.

ويخطئ من يعتقد أن سوريا كانت لتكون بأفضل حال لو انتصرت هذه الثورة بفصائلها القاعدية الهوى والعقيدة لتحولها لأفغانستان جديدة.

سوريا هي ضحية تراجع الدور العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعطل مشاريع بناء دول حقيقية.

أما سوريا، فمن المستبعد اليوم أن يتخذ المجتمع الدولي قرارا يتجاوز انقاذ بعض سكان حلب في الحدود القصوى للإرادة  السياسية المتاحة الآن. فالإدارة الأميركية ليست أخلاقيا بأفضل حال من روسيا الدموية بنسختها الحديثة، وقد تكون سوريا ردها العملي بعد فشل الربيع العربي فكان الإمعان في الفوضى انتقاما.

وروسيا الدولة اليوم بين سندان الولاء الستاليني المطلق لهذا القائد الذي أعاد لها بعض عزتها، وبين مطرقة سلطته المطلقة.

ففي حين رفضت الولايات المتحدة إسباغ  الشرعية على المعارضة المعتدلة بقيادة الجيش الحر تمسكت موسكو بشرعية بشار المطلقة.

فإدارة الرئيس أوباما كانت أكثر تمسكا بشرعية الحوثي وصالح والبرلمان المنحل في طرابلس (ليبيا) في حين أنها رفضت القبول بشرعية المعارضة السورية التي اعترف بها العالم حتى تشرذمت بين العواصم.

وإن كان من المقبول القبول بمبدأ توظيف القوة النسبي أو حتى الكلي لحسم صراع سياسي قد يهدد بتجاوز السياسة، إلا أن سوريا تمثل واقعا تجاوز السياسة وحتى أي منطق قد يعد مقبولا سياسيا.

ستعبر سوريا الآن إلى عالم اللجوء فتلحق بالحالة الفلسطينية، فينتقل السوري إلى لاجئ في أرضه بعد أن تتحول أرضه إلى دويلات كردية وشيعية أو مستعمرات إيرانية وروسية وتركية.

وقد تكون تلك الحالة الأهون ان قورنت بجولة جديدة لرحى أحفاد يزيد والحسين التي تستحكم على المشهد اليوم.

أما سياسيا، فعلينا التخلي عن العالمين العربي والإسلامي إن كنا صادقين مع أنفسنا. فذلك العالم الذي تغنينا به طويلا هو من أنتج واقعنا اليوم، وإن المنتصر وحده من يكتب التاريخ.

وقبل استنكار ما تقدم، ليسأل كلنا نفسه: هل نحن الآن قادرون على احتواء إرث يزيد والحسين أو أن نتسامح دولا ومجتمعات مع إرث الأمس و نحقق دول الاحتكام للقانون والعدالة و تقبل الاخر؟

الجولة القادمة من الفوضى الخلاقة ستتجاوز كل قواميس السياسة والاجتماع، لأن من سيخوضها متعلمون ولاءهم يتجاوز الأيديولوجيا بتعريفاتها النكدة والضيقة، ولأن واقع إرث الأحقاد تجاوز كل واقع.

وسوف تظهر أولى علامات ذلك مع بدء المعسكر المنتصر في حلب الاحتفال بالنصر الموعود.

مسؤوليتنا الآن تحتم علينا تجاوز الإنكار أو التنصل من مسؤولية: إما الدولة أو لا دولة. والدولة منظومة عهود وثوابت وقيم إنسانية.

أما الخطوة الموازية لذلك فقد بدأت حينما أعيد نشر داعش وتسليحه من جديد في تدمر، كما حدث قبل ذلك في الموصل.