ما يحدث الآن على الساحة السياسية في السعودية لا يعدو عن كونه صراع بين فئة تقاتل بالشائعات في سبيل إقناع نفسها بأن تغييرا يتم حاليا لصالحها. وبين فئة تخشى من العودة الى الوراء، وأن يتراجع السعودي المتسلق سلم الحريات ليقع رهينا للجمود وطغيان التشدد والتطرف.

لا يعني ذلك أن الوضع السياسي بات محتقنا بل العكس من ذلك، فالحوار الذي يدور داخليا يعني أن الحكومة السعودية لا تزال تسير في عملية التحديث بخطى مطمئنة قد ينزعج البعض من مظاهر يرى فيها عودة لوجوه متشددة الى شاشات الحضور والاستقبال الرسمية، وقد يبتعدن نساء تعودن دفع طموحهن للأعلى لتمثيل المرأة السعودية في المواقع الرسمية، لكن الحقيقة هي أن هناك ما هو أهم من الرغبة والرفض الرسمية والحزبية المستترة.

المهم هو أن هناك جيل من الشباب السعودي بالرغم من تسرب بعض أفراده للتطرف لكن هناك زحف واضح نحو الحصول على الحريات الإجتماعية مهما بلغت حدة الخطاب الإسلاموي الذي يخشى من استبعاده من المشهد ووفود أقطاب يسميها بالليبرالية لكنها في حقيقتها وطبيعتها وتشكلها لا تعدو عن كونها تيارات وطنية.

قد يرى البعض في مباراة كرة قدم في مدينة خارج البلاد إعلانا عن أن المجتمع السعودي تغير وقد يسخر البعض من أن السعوديين يتابعون الهروب من مواجهة هذا التغيير الاجتماعي بممارسة حقوقهم في الخارج.

لكن الحقيقة هي أن هذا الضجيج الذي يثيره الإسلامويون حول قضايا كمباراة كرة قدم أو فصول تحفيظ القرآن أو غيرها لا يعدو عن كونه الشعور بالخطر والإحساس بأن طبيعة التنافس السياسي تتغير لغير صالحها.

يشعر الحركيون الصحويون وخاصة السروريون منهم أن تداعيات أوضاع الربيع العربي والتفاف الشعب السعودي حول قادته ورفضه لمنطق الفوضى الذي بشر به الحركيون كان خطأ بالغاً أفقد هؤلاء معظم قدراتهم على الأستقطاب الشعبي.

هذا الشعور جعل الصحويين يتحركون لمساحات فارغة تثير عواطف رجل الشارع كالقرآن الكريم، وقدم وزير التعليم فرصة ذهبية لهم بقراره افتتاح فصول تحفيظ القرآن ضمن المدارس، وبدأ السروريون في تصفية حساباتهم مع الوطنيين في محاولة بائسة لإستثارة الشارع السعودي ضدهم.

من جانب أخر خسر الحركيون الإسلامويون في السعودية معركة اليمن، وظهروا عيانا للشعب السعودي وهم يكذبون بشأن مواقف دول شقيقة، مما أثار سخرية الرأى العام السعودي الذي يرى مساهمة شباب دول معينة في المعركة مع أشقائهم السعوديية وتقديم الدم بكل بذل وشجاعة، في الوقت الذي ينهال الإخوانيون والحركيون بسهام تتكسر تحت أقدامهم للتشكيك في مواقف هذه الدول.

يقدم الإخوان والصحويون كافة بين فترة وأخرى أدلة على افتقادهم للحكمة في التحرك السياسي، فيدخلون معارك يخسرونها لإعتمادهم على خطاب واهم وكاذب وسطحي، يستثير الغوغاء لكن لا يقنع الأغلبية الصامتة والتي تسمع وتقرأ وتنهال عليها قصص التشكيك وبعد أن تتأكد من أن ما يقدم لها لا يعدو عن كونه وهم إخواني تزداد ثقة الجموع في وهن هذا الخطاب.

يتعاطف المواطن البسيط مع من يبدي له شعورا دينيا لكنه بدأ يتنبه وبمساعدة الحركات المتطرفة إلى أن هناك أفخاخ تصنع له أن هناك شباب يقدم نفسه بكل سذاجة كضحية في محرقة التطرف والإرهاب.

دعونا نرسم للحركيين الصحويين خريطة طريق، نقترحها لعل وعسى أن يحسبونها لنا فضل وكرم. ماذا لو ينظمون مشروعا وعملا مضادا لداعش والنصرة والقاعدة وغيرها ممن يحمل السلاح ويقتل الأبرياء ويفجر في الشوارع والأسواق العامة.

ما الذي يدعوا زعماء الحركيين وأعيانهم ودهاقنتهم من إعلان عمل ديني توعوي ضد هذه الحركات، ويوقفون عملهم اليومي على هدف نبيل كهذا.

لمماذا يدينون بخجل ويشجبون بلطف ويخشون من تسمية الأشياء باسمها. لماذا لا يدينون النصرة، ولا ينقد بعضهم داعش إلا في مسألة مزاحمتها إياهم مصطلح "الخلافة".

هل يستطيع سلمان العوده وهو رأس الهرم السروري السعودي أن يتبنى عملا وعظيا دعويا لنصح الشباب بعدم الإنخراط في الحركات المتطرفة كداعش والنصرة والقاعدة… لا يكفي أن ترفض تفجيرا، بل الأهم أن تحذر الناس من التنظيم والخطاب المتطرف.

أخر اختراعات الحركيين الإسلامويين هي تبني خطاب أن آلة القتل الداعشية هي نتيجة لغياب وجودهم السياسي، وكأن هؤلاء يبتزون الأنظمة، إما أن تمنحونا جزءا من الكعكة السياسية أو سنترك شبابنا يفجرونكم.

ويتطرق الخطاب الإخواني إلى أن غياب العدالة والمشاركة السياسية والحرية سبب لظهور داعش والنصرة وغيرها، وقد يرد عليهم بالقول أن داعش لم تظهر إلا في وجود غياب للدولة وحريات كاملة وصحارى ومدن لا تمثيل لدولة قوية فيها، ففي ظل غياب الحكومتين العراقية والسورية، مهما أختلفنا معهما، نبتت داعش بمساعدة إخوانية وباعتماد على الخطاب الإخواني المطالب بالخلافة.

ما هي العدالة التي ستقدمها هذه الحركات الإسلاموية، هل العدالة جزء من برامجها.. ما هي العدالة التي تضمها مقاييسها، هل هي عدالة أن تمارس كل سيطرتها ومنطقها المتشدد على المجتمع. عدالة تمنحها حرية التسلط ومنع حريات الآخرين بناء على مقاييس قديمة وخارجة عن الإطار العصري.

ماذا عن المشاركة السياسية وهم لم يشاركوا فقط بل حكموا مصر وتونس وليبيا والسودان، وتم طردهم شعبيا، وكادت مصر تذهب لحرب أهلية لولا يقظة جيشها، بينما تونس وبطريقتها الياسمينية رفضت استمرارهم في الحكم، في الوقت الذي عاثوا في ليبيا قتلا وتفجيرا ورفضوا نتائج صناديق الاقتراع في طرابلس وهم يبكون عليها في القاهرة.

نعود للسعودية، هناك طريقان لا ثالث لهما، إما العودة للجمود وسيطرة المتطرفين وتفريخ الخلايا المتطرفة، واستفادة الحركيين الذين يريدون إزالة النظام عبر إرهاب الشعب بالتفجيرات وإثارة الفتن والتحريض ضد كل عمل تنموي وكل حرية اجتماعية، ويرافق ذلك براغماتية من قبل البعض للإستفادة من آلة التحريض والتأزيم في البقاء سياسيا.

الطريق الثاني، أن تنطلق بشبابها المتطلع للوثوب لأعلى قمة سلم الدول الصاعدة، إلى حياة شريفة وجيل يعمل حثيثا لتحسين مستوى معيشته وخدمة وطنه، ويرافق ذلك حكومة ترعى وتحمي شبابها من آلات التحريض والعنف والتأزيم، ولا تخشى سوى الله في شعبها، وتضمن عدالة واستقرار وحريات متساوية وحقوق متكاملة.

بالطبع سيختار الشعب الواعي بالمخاطر المحدقة به، الخيار الثاني، وسيترك الخيار الأول للغلاة والمتعصبين، كان الله في عون مجتمعاتنا من عصابات الإسلام السياسي.