تلهث الشعوب وهي تحاول التقاط أنفاسها والتعايش مع الأزمات والحروب المتلاحقة التي باتت تترك تداعياتها أينما كان بمعزل عن الجغرافيا المتعلقة بالأحداث.

وتلهث وهي تتابع روسيا التي تراهن على الحاق الهزيمة بالدولار بفعل حربها على أوكرانيا، وتعتبر أن هذه الحرب ستعيد خلط الأوراق وتغير وجهة التحالفات، وتدفع الدول، وتحديدا في أوروبا الغربية، على إعادة النظر بكل ما هو قائم من تحالفات وتبادل اقتصادي وفق المقاييس الأميركية، وذلك بعدما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، في 23 مارس الماضي، أن بلاده قررت بيع الغاز والنفط بالعملة الوطنية "الروبل" فقط مع الدول غير الصديقة بدلاً من اليورو والدولار، رداً على تجميد الأصول الروسية من قبل الدول الغربية بسبب الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا.

ولا تغفل روسيا أن انتصارها في مواجهتها القطب العالمي الأوحد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سيوجب تقوية تحالف استراتيجي ومتين مع الصين ومع باقي الدول التي تدور في فلك مواجهة الولايات المتحدة، بحيث تعيد ثنائية القطبين او حتى تعدد الأقطاب بما يفكك القبضة الحديدية الأميركية على الكرة الأرضية.

كذلك لا يغفل بوتين أن تراجعه في أوكرانيا سيدمّر سيرته التاريخية، وذلك بمعزل عن أي حسابات خاطئة ام معلومات مضللة وقع ضحيتها. لذا لا بد له ان يراهن على الفوز العسكري بأي ثمن.

من جهتها، وبالموازاة، تراهن دول في أوروبا على التوجه لاستخدام محطات الطاقة النووية والاستفادة منها في إمدادات الطاقة الرئيسية في المستقبل، على الرغم من التحذير من مخاطرها.

لكن حل أزمة الطاقة لا يحول دون الحاجة إلى النفط كمصدر حيوي وأساسي لعالم البتروكيماويات الهائل التي تقوم عليه الصناعة.

بالتالي فهي تراهن على صمود الدولة الأوكرانية وعدم سقوطها، مهما استمرت الحرب، بما يضع بوتين في حرج لا أفق له، ويلجم اندفاعته ومفاعيلها المكلفة.

في المقابل، تراهن الولايات المتحدة على استنزاف بوتين في حرب طويلة الأجل، لا حسم فيها، يضعفه ويشرذم وضعه الداخلي بتأثير العقوبات التي من شأنها أن تضني الشعب الروسي. كما تراهن على حاجة الدول الخائفة من طموح بوتين وسعيه إلى استعادة حلم الإمبراطورية، إلى التسلح وتحسين أوضاعها العسكرية، فتبيعها أسلحتها الحديثة الفعالة، بمواجهة الترسانة الثقيلة الموروثة من العصر الذهبي للاتحاد السوفياتي.

وتراهن أيضا على أن هزيمة روسيا او استنزافها على الأقل، سيمهد لإضعاف الحلف الروسي الصيني، ويجعل إمكانية ترويض الصين وإخضاعها لشروطها وإزالة خطر منافستها لها اقتصاديا، عملية ممكنة في الآتي من المراحل.

وأهم ما تراهن عليه الولايات المتحدة هو عامل الوقت الذي يدفع ثمنه الروس والأوكرانيون مباشرة، لتحصد هي النتائج وفق التطورات وبعد دراسة التداعيات لتقرر خطواتها القادمة.

وهذا الوقت قد يتحول أيضا إلى لعبة عض أصابع، تجد دول كثيرة نفسها مرغمة على خوضها لتضررها من تقوض الامن الحياتي والاقتصادي، بالإضافة الى خطر الحرب بحد ذاتها وتداعياتها لجهة النزوح الجماعي من أوكرانيا.

أيضا لا يمكن تجاهل لعبة عد الأصابع التي تفرضها مجريات الحرب في أوكرانيا على المفاوضات النووية الإيرانية-الأميركية، ولكن مع الإشارة إلى أن الأصابع الأميركية لا تشارك مباشرة في اللعبة، وإنما أصابع إيران وأصابع الدول الإقليمية المتضررة منها، أو أصابع الدول التي يمكن أن تستفيد من إبرام الاتفاق النووي، لترتاح في التعامل الاقتصادي بعد الغاء العقوبات التي تحول حاليا دون هذا التعامل.

فإيران التي تراهن على الأزمات الناتجة عن هذه الحرب لتدفع الولايات المتحدة إلى التوقيع على اتفاق نووي يناسب طموحاتها. تستعجل رفع العقوبات عنها لتنفتح اقتصاديا على العالم من دون عوائق، وتبرم العقود لتصدير الوقود والغاز، وذلك قبل حصول أي تطور قد ينهي هذه الحرب او قد يخفف من الأزمات التي تسببت بها، وتحديدا في مسألتي الطاقة والغذاء.

ويمكن تفهم الرهان الإيراني، لأن خسارتها لها كلفة عالية عليها، وعلى المنطقة التي تملك وسائل تخريبها من العراق الى اليمن الى دول الخليج الى سوريا الى لبنان الى غزة..

لكن كل هذا الرهانات لا تنفي أن موازين الانتصار والهزيمة على جبهات الصراعات لن تكون تقليدية، ولن تتولد من سياسات دبلوماسية عاقلة ودعوات نمطية إلى مفاوضات تحت شعار "السلام العالمي" الذي فقد صلاحياته.

كل هذه الرهانات تجعل الحركة بين الأقطاب حادة وقاسية، وتجعل قدرة صمود المتضررين من هذا الصراع الذي يتجاوز الروس والأوكرانيين والإيرانيين والصينيين مؤلما ومكلفا، وتحديدا على الشعوب التي لا ناقة لها ولا جمل في كل هذه الجبهات المفتوحة على ضجيج حروب وأزمات وضحايا.

ماذا لو يهدأ العالم قليلا؟؟

فقد تعبت هذه الشعوب من رهانات القوى الكبرى والصغرى، ومن تغليب صوت القوة على ما عداه، وبمعزل عن اليقين من أن التسويات والنهايات المرافقة لها لا بد ستأتي على حسابها، وهي لم تعد تؤمن بالأحلام. لم يعد لديها إلا أمنية واحدة.

لو يهدأ العالم قليلا لتلتقط أنفاسها!!