تعرضت الإعلامية داليا أحمد إلى هجوم عنيف على مواقع التواصل الاجتماعي بعد وصفها المسؤولين اللبنانيين بـ"التماسيح" في الحلقة الأخيرة من برنامجها، وانتقادها عدم قيامهم بأي إجراءات إنقاذية للانهيار المالي والاقتصادي الذي يعانيه اللبنانيون.

وتركز الهجوم الإعلامي على داليا من الجيوش الإلكترونية التابعة لـ"حزب الله" لأنها أدرجت صورة أمينه العام حسن نصر الله مع هؤلاء المسؤولين "التماسيح"، فكانت فريسة حملة تخوين وتنمر وعنصرية لم يسلم منها لون بشرتها الأسمر الداكن.

والأمر ليس سابقة، وتحديدا عندما "يتجرأ" أحد الإعلاميين على تجاوز الخطوط الحمر وكسر هالة الزعيم وقدسيته، وانتقاد قوى سلطوية لديها إمكانات لفتح المعارك الافتراضية.

فقد تعرضت الوزيرة السابقة مي شدياق إلى حملات أشرس، وجرى تعييرها بإعاقتها الناجمة عن محاولة اغتيالها عام 2005، بالإضافة إلى اتهامها بالعمالة والتآمر على وطنها.

كذلك تعرضت الإعلامية ديما صالح، ولا تزال، إلى هجمات إلكترونية تتناولها من الزاوية الشخصية ولم توفرها التعليقات الساخرة والشامتة للتعليق على قلقها خلال مرض والدتها، وبعد وفاتها، كما أنها كانت قد تعرضت إلى هجمة شامتة وحاقدة بعد أن تمت سرقة هاتفها المحمول أثناء تحركات اللبنانيين في انتفاضة أكتوبر 2019.

العالم الافتراضي بصيغته اللبنانية شوَّه مفهوم التغريد، عسكره وشيطنه، وترك للجيوش الإلكترونية التابعة لأهل السلطة والنفوذ أن تحتل مساحته وتقصف خرابا ودمارا وفتنة وكراهية وعنصرية وحقدا، الأمر الذي مَسَخ جوهر غايته كوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، ليتحوّل وسيلة بأيدي الأحزاب المتناحرة لإبادة اجتماعية وأخلاقية.

ووظف السياسيون "تويتر" لغايات كلٌ وفق أدبياته وسلوكياته، للمساهمة في تلميع صورتهم وتسجيل مواقفهم السياسية، أو توضيح ملابسات تتعلق بتصريح معين، أو للتعليق على أحداث مهمة، أو للتضامن وتقديم التهاني والتعازي.

إلا أن "تويتر" يساهم في كشف بواطن السياسي، وتحديدا إذا كان رئيس حزب قادرا على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، ليستخدم أسلحة محرمة بغية استعادة أبجدية الحرب الأهلية بكل بشاعتها.

ذلك أن استحضار المتاريس العائمة على باطنية تعبث فيها الأفاعي بين اللبنانيين، تسمح للمستخدمين باستغلال علم النفس والاجتماع لإرساء أرضية تَخاطُبٍ، حيث يتحكم الأداء الطائفي الغرائزي بمفاصل التغريد، وحيث الترهيب والتهديد يفرض هواجسه ويبرر لنفسه كل الجرائم اللفظية تحت عناوين مختلفة، لا وظيفة لها إلا خدمة مشاريع السياسيين وتحجيم خصومهم، والأهم توجيه رسائل واضحة إلى الإعلاميين لعدم تجاوز الخطوط الحمر والمس بالمسؤولين من القادة الرئيسيين، وإلا مصيرهم إما التخوين أو التكفير أو حتى التهديد بالقتل، والأبشع هو استخدام البذاءة والوقاحة والأحقاد وإلغاء الآخر في خطابات القتل المعنوي المشرعنة.

ففي فضاءات "تويتر" للجماعات الحزبية الطائفية اللبنانية لا تغريد للعصافير، فقط طيور كاسرة جارحة مفترسة تتلذذ بجيفة الحرب الأهلية، تعيد إحياءها وتتلذذ بانتصارات لم تحققها في حينه، وتتشفى ممن تعتقد أنه هزمها وهجرها وسلبها حقوقها وامتيازاتها.

هي طيور تعوّض عن عجزها في الماضي، وكأن الانتقام هو الأهم بعد الوصول إلى المناصب والكراسي بفعل صفقات وتسويات قائمة على الانتهازية والغدر.

والمقلق أن العالم الافتراضي مؤشر جدي للواقع اللبناني، هو الوسيلة الفعالة والمجانية والسهلة للتفلت من القيود، من قمة الهرم الى قاعدته.

يفضح العلة في سلوكيات الجماعات الحزبية والطائفية اللبنانية، وكأن هذه الجماعات تتمترس بمواجهة بعضها البعض بشكل عدواني متوتر عبر "تويتر"، أو كأن هناك عدوانية ضد كل من "ليس أنا".

وبمعزل عن التجاذبات السياسية واحتدامها، يؤشر انعدام الحد الأدنى من أخلاقيات التخاطب، وتحديدا الموجّه حزبيا وطائفيا، عبر وسائل التواصل إلى مؤشرات اجتماعية خطيرة، تستوجب الإصلاح والمعالجة وتحتاج الكثير من الوقت لتغيير هذ الثقافة عبر خطوات مدروسة تساهم في إزالة أسباب التحريض.
ولعل الأولوية لهذه المعالجة تفوق بكثير ما يستوجبه إصلاح المرافق التنموية والاقتصادية التي يطالب المجتمع الدولي لبنان بها ليفرج عن مساعداته له.

والأكيد أن الحملات المنظمة للجيوش الإلكترونية وما تتضمنه من سرديات مبتذلة مكشوفة ومفضوحة تعكس لسان حال أولاد الطوائف، وتترك رواسبها لتتفاعل تحضيرا لجولة مقبلة من جولات التراشق بالتغريدات، وظيفتها تكمن في نبش تراكمات طالعة من قهر المواطن العاجز عن توفير أدنى مقومات العيش الكريم، لحرف هذا القهر عن مساره الطبيعي باتجاه محاسبة السلطة الفاشلة والفاسدة نحو الخوف من الآخر وتصويره وكأنه يسلبه هذه المقومات.

والمقيت أن السلطة تجد أرضا خصبة لتنمية هذا القرف في التعامل عبر وسائل التواصل المتاحة لشرائح واسعة من المستخدمين، ذلك أن موجاتها تسمح بالترددات الغرائزية من منطلق طائفي ومذهبي مخيف، وتخرج من عالمها الافتراضي إلى صفوف الرأي العام، تحفزه وتقطع مفهوم التعايش والاحترام والقبول بالآخر والميثاقية المعنوية بين الجماعات الحزبية والطائفية، على الرغم من أن هذا المفهوم هو الذي لطالما حمى الصيغة اللبنانية الهشة وصانها وحال دون الإعلان الرسمي لموتها.