مؤججة بالهلع من مناعة الصين وروسيا المدعومة بالإنترنت الوطني المغلق، ومدفوعة بضرورات عدم مغادرة الدول المؤثرة في الشرق الأوسط لمزيد من وارداتها الحساسة المشروطة، ستعود السياسة الخارجية الغربية لاستغلال التكنولوجيا كما فعلت إبان ظهور مواقع التواصل الاجتماعي في 2006، لكنها ستسخر هذه المرة أقمار الإنترنت الدولي المجانية التي يطلقها "غيتس-ماسك-بيزوس" كمستثمرين في تجارة البيانات عبر الفضاء المفتوح.

من أفضل ما يمكن البدء بتقديمه لتحصين الوعي السياسي والتنموي للمجتمع هو تقديم الأخبار الرسمية بصورة تدعم الوعي الإعلامي بالفائدة المباشرة لعمل الدولة من وجهة نظر السكان المنتفعين – مواطنين ومقيمين – بدلا من وضعها الحالي المبني على "فرمانات" الزمن القديم، وهي الصيغة التي ما عادت تنفع – حتى في الدولة الرعوية المراد تطويرها – عند تقديم أخبار المبادرات الحكومية والقرارات المصاغة بأسلوب "تفضل فخامة المسؤول فتكرم على المجتمع بمشروع كذا".

الأجدى أن تصاغ الأخبار المفيدة بأسلوب "أصبح بمقدور المواطن والمقيم الانتفاع بكذا وتحقيق مكسب كذا، بعد أن أقرت الجهة المسؤولة قانون كذا".

قد يبدو الكلام رجما بحق أناس أفاضل خدموا الوعي المجتمعي نيابة عن الدولة في حقبها الماضية بما سمحت به الظروف آنذاك، إلا أنه تأكيد لعدم جدوى السير على ما طبقوه سابقا وفيه جوانب مهمة لم تتحقق، فالضرورات المستجدة لا تجابه بحلول الماضي.

ومن الإعلام إلى التعليم، يتوجب إعادة تقديم الوطنية بتدريس فوائد الانتماء العملية والمعيشية إلى الوطن وشعبه، وأن دور قادته التاريخي قد انتقل من التأسيس والرعاية إلى حفظ الازدهار وحماية المكتسبات والتقدم، وفائدة الدولة لمحيطها الإقليمي ومن ثم العالمي، وذلك من المراحل التعليمية المبكرة، وليس بأسلوب عاطفي بحت كما في السابق، وإنما بمنطق متدرج يحصن النشء عن التزهيد المبرمج واستكراه نفسياتهم ضد أبسط مشقات الحياة بأنها تقصير للدولة في حق ذويهم وحقهم، وهي التي يندرج أغلبها – ضمن خصوصية الظروف لكل مجتمع – ضمن السعي في طلب العيش أو سوء التدبير والقرار المالي أو الاجتماعي.

إن توليفة الحروب اللامتماثلة توشك أن تنتقل من الواقع إلى الميتافيرس (الكون الرقمي التفاعلي) – أو الوطن الافتراضي البديل لمستهلكي تقنيات الغد – وهم دوما فئة الشباب، وسيكون الدخول مجانيا، والانتماء عاطفيا موجها، بلا رقابة رسمية إلا بأعضاء مندسين، وسيشهد إنفاق الأطفال لمصروف جيبهم على إلباس هيئاتهم الافتراضية لملابس برسوميات غرافيكس ودفع رسوم مشاركة هذه الشخصيات الممثلة عنهم في فعاليات منقولة بالوهم الرقمي لتأخذهم عن حياتهم الفعلية إلى المتعة المشوبة بأمراض الأطراف الفاعلة العابرة للحدود، المختطفة لكل مجال مستحدث والباحثة عن منابر في كل نطاق متطور.

بناء الوعي ضد التضليل المعلوماتي هو أيضا مسؤولية فردية وأسرية، لئلا يتبع الجيل القادم كل ناعق مثلما فعل آباؤهم، إما سياسيا في الدول التي تقاذفتها السياسة، أو معلوماتيا من حيث عدم انتظار التفاصيل المؤكدة بدل اختيار التصديق والترويج للشائعات.

فالغاية المنشودة إذن هي تقوية المناعة ضد ضعف الوعي والانسياق الساذج ذي الضرر الكبير على مساعي الدولة الناجحة لمصلحة شعبها.