يحمل إعلان العميد تركي المالكي المتحدث باسم القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن حول دور "حزب الله" في الحرب اليمنية، رسالة واضحة الدلالات عشية استئناف الجولة الثامنة من المفاوضات في فيينا.

وهو بالتأكيد يتجاوز الحزب والحوثيين إلى المشروع الذي ينفذه رأس المحور من خلال استثماراته الدموية في الأذرع.

ويضع الإعلان على طاولة فيينا خريطة طريق تمتد من طهران إلى الدول التي تتباهى بالسيطرة عليها.  وهي إشد فتكا من خرائط المفاعل النووية ونسب التخصيب التي تفاوض الولايات المتحدة إيران بشأنها.

والأهم، أن الإعلان يحمل تحذيرا للمجتمع الدولي، الذي دأب على سياسة دفع الأزمات بعيدا عن دوله، بأن العواقب ستكون وخيمة في حال تكرار ما حصل في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، الذي تجاهل بند التدخل الإيراني التدميري في دول الجوار، ما سمح بتفاقم هذا التدخل وتجذره وتفكيكه البنى السياسية والأمنية والإجتماعية والثقافية حيثما حلّ ليستبدلها بأسس هجينة لا علاقة للمجتمعات العربية بها.

بالتالي، فإن المطلوب ليس تلبية مطلب وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان كي "تسير المفاوضات في فيينا بجدية" من خلال "أولوية أساسية" تترجم برفع العقوبات والحصول على ضمانات أميركية، وذلك كشرط إيراني على القوى العالمية، المفترض بها البرهنة عن "حسن نية الغرب" للعمل على إعادة العمل بالاتفاق النووي.

المطلوب أن تضع هذه القوى العالمية على جدول مفاوضاتها أولويات مفيدة تتعلق بمصير شعوب تعاني وتُقتَل ودول ينهار إقتصادها وينعدم أمانها المستباح من أذرع إيران في المنطقة. إذ لم يعد يكفي تصنيف هذه الأذرع كمصدر للإرهاب، لكن على القوى الدولية واجب بحث هذه الأولويات مع الرأس الذي يحركها، سواء في مطار صنعاء أو في مرفأ بيروت أو من خلال الهجوم على مطار بغداد الدولي إثر اقتحام متظاهرين من أنصار إيران لإحدى بواباته احتجاجا على منعهم من إقامة نصب لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس أو مواصلةً لسعيهم تغيير نتائج الإنتخابات بما يعزز الدور الإيراني الذي لم يعد بإمكان العراقيين تحمل تبعاته. أو في ملاحقة الخيوط التي تجمع إيران بالمتطرفين التكفيريين، الذين نموا بعد نجاح الخميني في الإستيلاء على السلطة في إيران.

أيضا، تتعلق هذه الأولويات بالمصالح التجارية لهذه القوى، من خلال تهديد إيران للملاحة العالمية واستخدام المعابر البحرية والبرية والجوية في جرائمها واعتداءاتها وانتهاكاتها المواثيق الدولية.

بهذا المعنى، يتجاوز المؤتمر الصحفي كشف جرائم الحوثيين و"حزب الله"، ليصل إلى حيث يجب.

والهدف واضح لا لبس فيه. هو التنبيه إلى ضرورة وضح حد فعال لمواصلة زعزعة إستقرار المنطقة بغية تحقيق بنود الأجندة الرامية إلى مزيد من السيطرة والنفوذ، والاستمرار بإراقة الدم العربي والكرامة العربية في سبيل هذه الأجندة.

وكلام المالكي، في هذا التوقيت تحديدا، هو جرس إنذار لا بد منه. وهو إعلان رفض الدول صاحبة السيادة، المتضررة من الإعتداءات الإيرانية عبر أذرعها، استمرار هذا الواقع الذي تحول سرطانا في المنطقة، كما هي حال "حزب الله".

ولعل تشديده على أن الحزب "لا يمثل الشعب اللبناني، وهو سرطان في ‎لبنان أثر على اللبنانيين بالدرجة الأولى، ونشاطه الإرهابي امتد إلى خارج لبنان ونشر الدمار في المنطقة والعالم، ويتحمل المسؤولية في استهداف المدنيين في السعودية واليمن"، هو للتأكيد على مرجعية الحزب الإيرانية التي تموله وتحدد أداوره ووظائفه.

أما استطراد المالكي بأن هناك "مسؤولية على المجتمع الدولي لوقف هذه الأعمال العدائية لحزب الله الإرهابي الذي أضر بالمنطقة ولبنان نفسه، وأصبح تهديداً مباشراً لأمن دول الخليج والمجتمع الدولي"، فهو دعوة واضحة لهذا المجتمع الدولي بتغيير سلوكه الحالي تجاه إيران وأذرعها، والكف عن لعبة توزيع الأدوار بما يضمن المصالح على حساب أمن العالم العربي، ومن ضمنه دول الخليج، ووضع شروط على إيران تقرن رفع العقوبات بوقف هذا التدخل بطائراته المسيرة وصواريخه البالستية والمخدرات التي تسللت من الفاكهة اللبنانية لتغزو الأسواق الخليجية بسمومها.

من هذه الزاوية، يمكن التعمق في قراءة بيت قصيد الدول العربية التي تدفع ثمن السياسات الغربية عموما، والأميركية خصوصا، تجاه إيران. وبيت القصيد هذا لم يعد يبني آمالا على التحذيرات الأميركية التصعيدية بقرب انتهاء المهل الدبلوماسية.

وبمعزل عن لعبة شد الحبال الحالية التي تتأرجح عليها الأجواء التشاؤمية واحتمالات الفشل مقابل التوصل إلى مرحلة إيجابية تمهد لإحياء الإتفاق من دون تعديلات جوهرية تذكر، يقدم الإعلان العسكري في ظاهره، أدلة على أن إيران ستحول كل مكان تتحكم فيه إلى بؤرة متفجرة، سواء كان مطار صنعاء أو مرفأ بيروت.. أو أو..

لذا، يستكمل المؤتمر الصحفي، بشكل أو بآخر.. بيان جدة الصادر بعد قمة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وما تلاه من جولة لولي العهد السعودي والتوافق الخليجي على البيان، بما يشكل ورقة عمل عربية، تتعلق بنقاط واضحة بشأن حث الإدارة الأميركية على الحسم تجاه سياسات إيران في المنطقة، وليس فقط بحث ما يتعلق بالملف النووي.