ككل الانتخابات العراقية السابقة، تمر هذه الانتخابات، بعد صدور نتائجها، بتشكيك الخاسرين بكل العملية الانتخابية لتأكيد أن خسارتهم لم تكن حقيقية وإنما بسبب تلاعب فاعلين سياسيين متنفذين.

وإذا كانت هذه الحجة تحظى ببعض التعاطف في الانتخابات السابقة، لأن الأطراف الأضعف في معادلات السياسة وموازين القوة في البلد هي التي كانت تخسر انتخابياً، فيما يربح الأقوياء ويتقاسمون بينهم امتيازات السلطة، فإن الأمر معكوس تماماً هذه المرة، فبعض أشد الأقوياء خسروا السباق الانتخابي الأخير، ولا يزالون يرفضون الإقرار بهزيمتهم هذه.

صحيح أنه كانت هناك مستويات مختلفة من التزوير في معظم الانتخابات العراقية السابقة، يصعُب حصرها والتأكد من حجمها، بسبب الطبيعة اليدوية، وليس الإلكترونية، لتلك الانتخابات بما يعنيه ذلك من شدة تدخل العامل البشري/الحزبي في إدارة تفاصيلها، خصوصاً في لحظاتها الحاسمة المتعلقة بفرز الأصوات وحساب النتائج. ما كان يساهم في الحد من عمليات التزوير، في الانتخابات السابقة، والحيلولة دون جعلها حاسمة بحيث تغير النتائج على نحو جذري، هو حضور أطراف حزبية متنافسة فيها ووجود تمثيل محاصصاتي لها في داخل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

بدأ تأثير العامل البشري/الحزبي يتراجع مع دخول المكننة الإلكترونية في العملية الانتخابية، كما في إدخال آلات العد الإلكتروني والبطاقات الانتخابية الإلكترونية في انتخابات عام 2018. لكن تواصلت بعض الثغرات الاساسية التي أبقت المجال مفتوحاً أمام التدخل البشري/الحزبي وبالتالي التزوير، مثل عدم اشتراط البطاقة الإلكترونية في التصويت وصناعة بطاقات إلكترونية سيئة يسهل تزويرها، وطول الفترة الفاصلة بين نهاية الانتخابات وإعلان النتائج، فضلاً عن قانون انتخابي منحاز لضمان احتكار الأحزاب الكبرى والمتنفذة للسلطة عبر تدويرها انتخابياً واستبعاد الأحزاب الصغيرة والمرشحين المستقلين.

كانت حركة احتجاج تشرين (أكتوبر) أساسية في إصلاح هذا العطب الانتخابي الكبير، رغم مقاطعة الكثير من محتجي تشرين والمتعاطفين معها هذه الانتخابات. فضغط حركة الاحتجاج هو الذي قاد إلى تشريع قانون انتخابي جديد لجعل الانتخابات أقرب كثيراً إلى الرصانة والعدل مما كان سائداً في ظل القانون الجائر السابق. برغم بعض العيوب فيه، احتوى القانون الجديد على تحسينات مهمة مثل اشتراطه الترشيح الفردي في دوائر صغيرة نسبياً حيث يستطيع المرشحون المستقلون والأحزاب الصغيرة التنافس، والتسجيل البايومتري للناخبين واستخدام البطاقة البايومترية في التصويت وأجهزة تسريع النتائج الإلكترونية في فرز وعد الأصوات وإعلان النتائج الأولية في خلال 24 ساعة.

سدت هذه الخطوات عملياً منافذ التزوير المعتادة، واستطاعت المفوضية المستقلة للانتخابات تنفيذها رغم بعض الأخطاء غير المقصودة التي ارتبط معظمها بالبنية التحتية السيئة لخدمات الإنترنت حيث لم تُنقل نتائج التصويت كلها إلى المركز الوطني في بغداد بالسرعة اللازمة فضلاً عن فشل مؤقت ومحدود في أداء بعض الأجهزة وسوء التنسيق أحياناً وضعف التواصل الإعلامي مع الجمهور. بالغت الأحزاب الخاسرة في الانتخابات في حجم هذه الأخطاء كثيراً لتقويض مصداقية العملية الانتخابية التي يمكن اعتبارها الأكثر نزاهة في تاريخ العراق الحديث.

في آخر المطاف، لن تستطيع الأحزاب الخاسرة أن تفرض نتيجة انتخابية مختلفة عن تلك الصادرة عن المفوضية، وسيكون عليها التعاطي مع الأمر الواقع: خسارتها الانتخابات.

لكن الأهم في هذه الانتخابات هو أنها أطاحت باعتقادين اثنين راسخين في أوساط شعبية عراقية كثيرة. الأول هو أنه لا يمكن إجراء انتخابات نزيهة في العراق بوجود الأحزاب المتنفذة. والثاني هو أن قوة السلاح الميليشياوي تستطيع أن تفرض النتيجة الانتخابية التي تتناسب مع قوة الفصيل الميليشياوي. لم تستطع كتلة الفتح التي لديها الأجنحة الميليشياوية الأقوى والأكثر إثارة للرعب في البلد أن تفوز في الانتخابات ولن تستطيع تغيير نتيجتها بعد الخسارة على النحو الذي تريد.
ما الذي يعنيه هذا؟ بالتأكيد، انتصار مهم للديمقراطية العراقية الهشة يحتاج أن يترسخ عبر استثمار الجمهور في السياسة والتأثير فيها من خلال تشكيل حركات سياسية ودخول المضار الانتخابي من أجل اصلاح النظام السياسي من داخله. يعني هذا ايضاً تراجع الخيارات الثورية لقسم كبير من المحتجين الذين كانوا يصرون على أنه لا خيار أمامهم إلا إطاحة النظام السياسي من خارجه عبر قوة الشارع.

برغم الموقف السلبي الذي اتخذته حركة الاحتجاج التشرينية من الانتخابات، فإن تضحياتها هي التي فتحت هذا المسار الإصلاحي المهم في الجسد السياسي العراقي المشلول. الصحيح لها هو أن تساهم في تمتين هذا المسار وتعميقه من خلال الإصرار، بوسائل احتجاجية وقانونية، على خطوات إصلاحية أخرى محددة وتدريجية، مثل مواصلة وتصعيد حملة إنهاء الإفلات من العقاب، التي تراجعت كثيراً في الآونة الاخيرة، والمطالبة بتفكيك القوى الميليشياوية في البلد عبر تطبيق صحيح وصارم لقانون الأحزاب الذي يمنع وجود أجنحة مسلحة لحركات سياسية، فضلاً عن الإصرار على منع العمل الاقتصادي للأحزاب السياسية باستخدام مؤسسات الدولة، وذلك عبر تفكيك مكاتبها الاقتصادية.

لكن قبل كل هذا، من المهم لقوى الاحتجاج أن تدعم وتحث الفائزين التشرينيين والمستقلين الذين حصلوا على مقاعد برلمانية كي يشكلوا كتلة معارضة برلمانية رصينة، لا تشترك في الحكومة ولا تدخل في صفقات المحاصصة أو التوافق، بل تصر على نهج إصلاحي صارم وواضح يعرض نموذجاً جديداً في السلوك السياسي يكون جديراً بالاحترام لم تستطع أن تقدمه الأحزاب التقليدية المتنفذة على مدى ستة عشر عاماً من العمل البرلماني.

درب الإصلاح العراقي طويل وصعب ومعقد، لكن يمكن خوضه والنجاح فيه إذا توفرت الرؤية والإرادة، وتراجع العناد الأيديولوجي. حركة الاحتجاج التشرينية هي الأولى والأقدر على المضي في هذا الدرب.