لطالما ارتبطت الأحداث في التاريخ الأفغاني منذ آلاف السنين بالجارة الفارسية ذلك أن الامتداد الجغرافي والتداخل القبلي وأيضا تميز الموقع من الناحية الجيوسياسية لكل من إيران وأفغانستان يمنحهما الكثير من الأوراق.

لكن يبقى الخلاف العقائدي سبباً لكثير من المشاكل خصوصاً من ناحية خشية إيران من طغيان المذهب السني ومتفرعاته في أفغانستان مما يشكل بؤراً لاستهداف المذهب الشيعي الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية في إيران.

اليوم عانت الإدارة الأميركية في عهد بايدن انتكاسة جراء ما حدث في أفغانستان حيث تشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض نسبة تأييد الرئيس الأميركي إلى أقل من 50 في المئة للمرة الأولى منذ فوزه في انتخابات العام الماضي وقد يبقى الرئيس الأميركي مشغولاً لأشهر طويلة في لملمة الكابوس الأفغاني وتأثيره على إمكانية عقد صفقة جيدة مع الإيرانيين...وكان هذا الامر هنا في واشنطن مجالا للنقاش بين عدد من الباحثين المتخصصين في الشأن الإيراني بالولايات المتحدة حيث استطلعت بعض الصحف وعلى رأسها (الاندبندنت العربية) رؤيتهم بشأن مصير المحادثات النووية وما يمكن أن تسفر عنه الأسابيع المقبلة في ظل انشغال واشنطن بفوضى أفغانستان.

وهنا يكمن التساؤل الأهم خلال هذه الفترة وهو هل هناك شكوك حول مصير محادثات فيينا؟ وهل يمكن أن تستغل طهران الاحداث وتتقدم تكنولوجيا وان تزيد من مخزونات اليورانيوم النقي وتمنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخول مواقعها النووية؟

في رأيي الخاص فإن هناك أمورا سيضعها الجانب الإيراني في تصوره للفترة المقبلة من المفاوضات حول الاتفاق النووي مثل محاولة انتزاع كل تنازل من أميركا والغرب من أجل حماية اقتصاد إيران من العقوبات وستسعى إيران أيضاً إلى التأكد من أنها قد حسمت وبشكل كامل قدرة الولايات المتحدة على إعادة فرض العقوبات ضمن الاتفاق النووي نفسه. ولا ننسى هنا أن إدارة بايدن كانت قد تعهدت بالعودة إلى الصفقة كما هو مكتوب بل واظهرت حسن النوايا عبر رفض تغيير النظام وأعلنت أيضاً عن نيتها تقليل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، ودعم المشاركة الإقليمية مع إيران بل أن الإدارة غضت الطرف عن مشتريات الصين من النفط الإيراني كإشارة لطهران على حسن نية واشنطن.

أيضا لا يخفى استحواذ طهران على جميع المزايا التي قدمتها المقاربة الأولية لإدارة بايدن من دون أي تنازلات من جانبها بل إن الهدف الأساسي لطهران في الاتفاق النووي لعام 2015 كان، حسب رأيي، هو الحصول على حماية من العقوبات ضد القطاعات الأكثر ضعفاً في اقتصادها مقابل قيود على برنامجها النووي لكن وجدت أن إنهاء العقوبات النووية لم يحل مشاكلها الاقتصادية التي أنتجت الاضطرابات الداخلية وبغض النظر عن الرأي بشأن الاتفاق النووي، فإن وجوده بحد ذاته شطر الموقف الدولي الموحد ضد إيران، وهذا كان دائماً هدفاً حاسماً لقادة إيران.

واليوم ظهرت أفغانستان الكابوس التاريخي مجدداً ككابوس مخيف للدولة الإيرانية.. نعم.. لقد تمتعت إيران بالاستقرار الأمني الذي جاء مع الوجود الأميركي، لكن الآن هناك طالبان على حدودها ومن المرجح أن تشتبك قوات الأمن الإيرانية مع طالبان ويحتمل أيضا أن تقوم إيران بنقل جزء من وكلائها الأفغان في سوريا إلى غرب أفغانستان لحماية مصالحها وليس من المستبعد بالطبع أن يصل إرهاب طالبان إلى داخل إيران.. ومهما يكن من أمر فإن الانسحاب الأميركي من أفغانستان خبر سعيد بالنسبة إلى طهران حيث إن "غياب القوات الأميركية في أفغانستان يجعل السياسة الخارجية لإيران في المنطقة أكثر حزماً".

وكذلك فأن المحافظين في إيران ربما يستغلون الانسحاب الأميركي لإثبات أن واشنطن غير جديرة بالثقة وأن الالتزامات الأميركية لا تعني شيئاً ومع ذلك لابد من الإشارة إلى أن تأجيل المحادثات النووية ناجم عن قضايا أخرى لا علاقة لها بأفغانستان.

نعود إلى سؤالنا الأول عن تأثير الانسحاب من أفغانستان على الاتفاق النووي.. وللتذكير فإنه ومنذ مطلع أبريل الماضي، تستضيف العاصمة النمساوية فيينا محادثات دولية غير مباشرة لعودة الولايات المتحدة وإيران إلى الاتفاق النووي الذي عقدته 6 قوى دولية في يوليو 2015، قبل أن تنسحب الإدارة الأميركية السابقة لدونالد ترمب منه في 2018 وتتخلى طهران عن الكثير من الالتزامات النووية التي يفرضها الاتفاق. غير أن بايدن تعهد منذ حملته الانتخابية العام الماضي، بالعودة إلى الاتفاق مع توسيع بنوده لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية.

لقد مرت محادثات فيينا، التي تُجرى بوساطة أوروبية إضافة إلى روسيا والصين، بستّ جولات لم تسفر عن شيء نحو العودة إلى اتفاق 2015 او تأسيس اتفاق جديد. وينتظر المفاوضون الدوليون منذ نهاية يونيو الماضي، عقد الجولة السابعة التي طلبت طهران تأجيلها إلى ما بعد تنصيب الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي، في مطلع أغسطس الحالي.. وللأسف فإن الفترة المقبلة يبدو أنها ستؤكد أن "الفشل الواضح لإدارة بايدن في أفغانستان لن يؤدي إلا إلى تقوية النظام في طهران، الذي يتمتع هذه الأيام بعلاقات عمل مع طالبان" لكن هناك طريق صعبة للغاية أمام المفاوضات. فإدارة بايدن تبدو متحمسة للغاية للتوصل إلى اتفاق نووي، بينما يبدو أن إدارة رئيسي الجديدة قررت أنها يمكن أن تتمهل وأن تقود صفقة رابحة من وجهة نظرها.

في الخلاصة انه على الرغم من أن إيران تحتاج بشدة إلى رفع العقوبات الأميركية المؤلمة عن اقتصادها من خلال اتفاق نووي جديد، فإن طهران تعتبر إدارة بايدن إلى حد كبير ضعيفة" ولا شك أن تلك الصورة تتأكد بشكل أكبر من خلال عجز بايدن عن تنظيم الانسحاب الأميركي من أفغانستان بشكل صحيح، وهو الذي ولاشك سيدفع طهران على الأرجح إلى البحث عن موقع قوة عندما يتعلق الأمر بالاتفاق النووي والذي تعلن قوة وازنة في المنطقة وهي اسرائيل أنها جهزت لكل السيناريوهات من أجل "إيران بلا قوة نووية".