أعاد رئيس الحكومة اللبنانية المكلّف نجيب ميقاتي أسباب أزمة الانسداد التي تمنع تشكيل الحكومة إلى ذهنية ما زالت تعمل وفق روحية ما قبل اتفاق الطائف.

وفي تصريح الرجل قبل أيام غمز مباشر من قناة رئيس الجمهورية، ميشال عون، الذي ما برح يمارس أعرافا تعود إلى دستور لبنان السابق حين كان لرئيس الجمهورية سلطة اختيار وزراء الحكومة ورئيسها. والواضح أن "استعادة حقوق المسيحيين" وفق "المدرسة العونية" تتطلب جهارا إسقاط "الطائف" الذي رفضه "الجنرال" حين أُبرم عام 1989.

جعل عون من مقاتلة الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية هدفا وعقيدة سياسية في كل المحطات الأساسية في حياته السياسية منذ إجلائه بالقوة من قصر بعبدا (1990) مرورا بمرحلة النفي في فرنسا (حتى 2005) انتهاء بعودته من جديد إلى نفس القصر رئيسا للجمهورية (2016). وعلى أساس استعادة "امتيازات" ما قبل الطائف، بنى عون وعوده للمسيحيين بما جعله رقما صعبا داخل الجمهور المسيحي، فيما تياره، برئاسة صهره جبران باسيل، يحتل مساحة واسعة من تمثيل هذا الجمهور تحت قبّة البرلمان.

في لبنان من يكره "الطائف"، لأسباب وحيثيات مختلفة ومتناقضة. وفي لبنان، بالمقابل، أغلبية، لدى كافة الطوائف، تتمسك بـ "الطائف" وتعتبره الضامن للتعايش والسلم الأهليين. وإذا ما كان من إجماع على أن الاتفاق أُجهض وبُتر وأُسيء تطبيقه، إلا أنه ما زال قاعدة أساس لا يجوز اقتلاعها والعبث بإغفال وجودها وهي ما زالت ضمان التوازن في منطق توزيع السلطة في البلد.

وفق روحية هذا الاتفاق خرج الراحل رفيق الحريري بشعاره الشهير: "أوقفنا العدّ". كان الرجل يؤكد على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في حكم البلد، بحيث لا تؤثر الحقائق الديمغرافية ومتغيراتها العددية منذ استقلال لبنان عام 1943 على ثابت تلك المناصفة ونهائيتها. واللافت أن أمر هذه المناصفة و"وقف العدّ" لم يتعرض لأي انتقاد أو رفض من أي تيار سياسي أو ديني، على الرغم من الأنواء الطائفية التي عصفت بالمنطقة ولبنان في العقود الأخيرة.

وما أشار إليه ميقاتي قبل أيام وما تعرّض له رؤساء حكومة مكلفين قبله يمثّل تعاملا منافيا للطائف ومَسّا في توازن السلطات بين الطوائف في لبنان وفق ما نصّت عليه بنود الاتفاق الذي تحول إلى وثيقة دستورية تضع قواعد الحكم في البلد. وفي ما عدا التيار العوني وبعض تيار الممانعة الذي يتزعمه حزب الله، فإن كافة التيارات السياسية، المسلمة والمسيحية، باتت تعتبر قصر بعبدا موقع عرقلة، بالأصالة أو النيابة، يحول دون تشكيل حكومة من شأنها انتشال البلد من أزمته التاريخية الوجودية الخطيرة.

يلتقي عون وحزب الله بأجندات وأشكال وتعبيرات مختلفة على التشكيك باتفاق الطائف، وهما اللذين رفضاه أساسا لحظة إبرامه قبل أكثر من ثلاثة عقود. ولئن اعتبرت "العونية" الاتفاق ضربا لصلاحيات المسيحيين في رأس السلطة، فإن الحزب لطالما رآه مُعبّراً عن نظام سياسي أصبح -بحكم تبدل موازين القوى الخارجية والداخلية- متقادما، وراح يلمّح، لا سيما عبر المنابر الرديفة، بالدعوة إلى عقد "مؤتمر تأسيسي" تتابع الدعوة الصريحة في هذا الشأن التي أطلقها جهارا أمين عام الحزب في يونيو 2012.

والحال أن "المثالثة" بين المسيحيين والسنّة والشيعة، وفق ما يوحي به "المؤتمر التأسيسي"، أثارت قلقا لدى المسيحيين، بما في ذلك التيار العوني، مما يمكن أن تحمله من نيل من مكتسب "المناصفة" الذي يتيحه دستور "الطائف" الراهن. والظاهر أن ذلك التحفّظ لدى حليف حزب الله المسيحي هو الذي حول "المثالثة" إلى مجرد إشاعة واحتمال يستمر التلميح إليها دون أن يبددها يقين رسمي. وفيما تؤكد إحصاءات نشرها الإعلام اللبناني مؤخراً على استمرار تراجع المساحة الديمغرافية للمسيحيين في لبنان، فإن أسئلة تدور خلف وجاهة عبث رئيس الجمهورية بمصير لبنان واللبنانيين، بكافة طوائفهم، وحول مسؤولية المسيحيين في الدفاع عن وجود ومستقبل لبنان في المنطقة.

ولئن ما زالت بيانات رؤساء الحكومات السابقين تستخدم لغة سياسية دستورية مهذّبة في الدفاع عن موقع رئاسة الحكومة (السنّي) وإدانة ما يتعرّض له من تجاوزات ترتكبها رئاسة الجمهورية، فإن الدور التاريخي للمسيحين، ابتداء من البطريركية المارونية مرورا بالمنابر المسيحية الدينية الأخرى انتهاء بالوجوه والتيارات السياسية، يحتم موقفا أكثر دينامية وجرأة، يعبّر عن بعضه البطريرك بشارة الراعي، لردع الموقع المسيحي الأول عن ارتكاب ما من شأنه تهديد الاستقرار الأهلي الذي قام على اتفاق الطائف، كما ردع الأداء الملتبس الراهن لهذا الموقع ومسؤوليته في تدمير علاقة لبنان بمحيطه العربي وجعلة بيدقا تابعا للسياسة الإيرانية في المنطقة.

ولئن يدعو النائب المستقيل نديم الجميل مؤخرا لرفع الغطاء المسيحي عن عون، فإن الأمر بات يتطلب موقفا جديا في هذا الصدد، ما زال حتى الآن لم يغادر موقع المناورة والمناكفة، ولم يرقَ إلى مستوى الدور الذي اضطلع به المسيحيون لحماية لبنان والدفاع عن الفكرة اللبنانية وصون الوجود المسيحي في لبنان والشرق (المرجع الدستوري حسن الرفاعي استغرب قبل أيام اكتفاء غالبية السياسيين الموارنة بموقف المتفرّج على تجاوزات عون التي لا تخدم مصالح الوطن والرئيس والموارنة، حسب رأيه). وإذا ما كان الطائف قد شكّل "انقلابا" جرى التوصل إليه بعد 15 عاما من الاحتراب الاهلي، فحريّ أن تتطور مواقف الاعتراض المسيحي باتجاه "انقلاب" جديد لا تعوزه سنوات احتراب أهلي آخر.

لم يعد الرئيس في قصر بعبدا حاميا لحقوق المسيحيين، بل إن ادعاء ذلك هدفه صون حقوق الصهر والعائلة. تحتاج حماية "أوقفنا العدّ" وتجنب زوم "المثالثة" المرّ إلى استفاقة تخلّص لبنان الأسير إيرانيا من مباركة مسيحية يوفّرها عون وتياره بثبات وإخلاص لم يحد قيد أنملة عن ورقة التفاهم الشهيرة (2006) مع حزب الله، والتي حضّرت البلد إلى المصير الأسود الذي يعيشه هذه الأيام.