لا حديث خلال هذا الاسبوع يسيطر على وسائل الإعلام أكثر من الحديث حول اضطرابات المناخ المستقبلية بل إن معظم الخبراء يعيدون أسباب الحرائق التي اجتاحت هذا الأسبوع دولا عربية وشرق أوسطية وأودت بحياة العشرات كما حدث في الجزائر إلى التأثيرات المناخية.

بالنسبة للأمم المتحدة كان لافتا عكوف المسؤولين المختصين بالمناخ على استخلاص النتائج التي كانت خلاصة أكثر من 14 ألف دراسة علمية قدمت إلى الأمين العام وشملت أكثر الصور تفصيلا بشأن كيفية تأثير التغير المناخي على العالم وما قد يحدث مستقبلا.

تلك الدراسة كانت ملزمة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لمطالبة السياسيين باتخاذ إجراءات سريعة وجذرية حيث توقع تقرير الأمم المتحدة عن تغير المناخ تكرار الموجات الحارة الشديدة كل 10 سنوات بعد أن كانت تحدث مرة كل 50 عاماً، وذلك بسبب الاحتباس الحراري العالمي.

وخلص التقرير إلى أن العالم يشهد آثار تغير المناخ، إذ ارتفعت درجة حرارة الكوكب بما يزيد عن درجة مئوية في المتوسط. ومع تزايد هذا الارتفاع في درجة حرارة الأرض، من المتوقع أن تتزايد معه وتيرة الموجات الحارة الشديدة والجفاف والسيول وأن تشتد حدتها أيضاً لكن ما لفت نظري ونظر كثيرا من المراقبين هو أن الأمم المتحدة تضع في ميزانيتها سنويا حسب ما ذكر الأمين العام 100 مليار دولار للتكيف مع تغير المناخ في المناطق الفقيرة من العالم

وكانت إشارة المطالبة بضرورة الوفاء بهذه الالتزامات من قبل دول المنظمة واضحة في كلام غوتيرش عندما طالب قادة العالم بتقديم إجابات عند انعقاد القمة العالمية المقبلة لتغير المناخ، المقررة في نوفمبر المقبل في اسكوتلندا.

الرؤية التي طرحها الأمين العام تتلخص في إنه يمكن تجنب كارثة إذا تصرف العالم بسرعة، حيث هناك أمل في أن تؤدي التخفيضات الكبيرة في انبعاثات غازات الدفيئة إلى استقرار درجات الحرارة المرتفعة، وقد شرح ذلك بقوله "إذا قمنا بتوحيد القوى الآن، يمكننا تجنب كارثة مناخية، ولكن، كما يوضح تقرير اليوم، لا يوجد وقت للتأخير ولا مجال للأعذار، أنا أعول على الحكومات والقادة وجميع أصحاب المصلحة لضمان نجاح قمة المناخ التالية".

هنا في واشنطن قمت بمناقشة تقييم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الصادر في وثيقة من 42 صفحة وتعرف باسم "ملخص لصانعي السياسات" مع بعض الصحفيين والساسة الأميركيين الذي اعتبروا هذا التقرير بمثابة أول مراجعة رئيسية لموضوع تغير المناخ منذ عام 2013، وأن إصداره يأتي قبل أقل من ثلاثة أشهر من قمة المناخ الرئيسية في غلاسكو المعروفة باسم COP26 كما تم تذكيري بأن إدارة الرئيس جو بايدن خصصت أكثر من 3 مليارات دولار في تمويل جديد للحكومات المحلية لزيادة قدرتها على مواجهة الآثار الناجمة عن تغير المناخ حيث قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي للصحافيين إن التمويل سيسمح للولايات "بحماية مجتمعاتنا في المستقبل والحد من آثار تغير المناخ"، في وقت يكابد فيه الناس موجات الجفاف الطويلة وحرائق الغابات وتطرف درجات الحرارة والأعاصير نتيجة للتغير المناخي، انتهى كلام جين ساكي.

أما صحيفة الواشنطن بوست فقد نشرت تقريرا، أعده إيشان ثارور، تحت عنوان "أخبار المناخ على وشك أن تزداد سوءاً"، لفت فيه إلى أنه إذا كانت عناوين الأخبار الرئيسية لا تبدو بالفعل مروعة، فهي على وشك أن تزداد سوءاً. إذ ستصدر اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC التابعة للأمم المتحدة الجزء الأول من أحدث تقرير تقييمي رئيسي لها بعد غياب استمر ثماني سنوات.
فعلى مدار الأسبوع الماضي، اجتمع المئات من علماء المناخ بتكليف من الدول الأعضاء الـ195 في اللجنة بشكل افتراضي لاستعراض النتائج التي توصلوا إليها لوضع اللمسات الأخيرة على الوثيقة، والتي ستقدم التقرير الأكثر شمولاً حتى الآن للعلم الفيزيائي وراء ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض ومناخه المتغير.

وفي عام 2013، خلص تقييم اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن البشر كانوا "السبب الرئيسي" للاحترار العالمي منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي نتائج حفزت المفاوضات التي أدت إلى اتفاقية باريس لعام 2015 والتي تجبر الحكومات الموقعة على الالتزام بإصلاحات من شأنها كبح ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض خلال القرن الجاري إلى أقل من درجتين مئويتين.

وخلال تلك السنوات الفاصلة، أصدرت اللجنة الحكومية الدولية عدداً من التقارير الخاصة، بما في ذلك تحليلات لحالة المحيطات وأقطاب الكوكب المتجمدة واستخدام الأراضي والظواهر مثل التصحر، وتحذيراً في عام 2018 بشأن النافذة التي تضيق بسرعة أمام الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص المضي قدماً في إصلاحات جذرية يمكن أن تمنع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمتوسط يزيد على 1.5 درجة مئوية.

ومن المتوقع أن تدق نتائج الدراسة الأخيرة، التي تأخرت لعدة أشهر بسبب جائحة فيروس كورونا، إنذاراً أكثر قتامة بشأن وتيرة احترار الكوكب. ومن المحتمل أن تقدم تكهنات بمقدار الانبعاثات الإضافية التي يمكن أن تدخل الغلاف الجوي قبل تجاوز عتبة الـ1.5 درجة، وهي نقطة يحذر بعدها الخبراء من أحداث كارثية ستواجه الكوكب. كما سيعرض التقييم بقدر أكبر من التحديد ما يمكن أن تكون عليه بعض هذه الآثار الكارثية.

وينقل التقرير عن عالمة المناخ كيلي ليفين قولها لوكالة رويترز الإخبارية إن "التقرير لن يغطي فقط حقيقة أننا نحطم رقماً قياسياً تلو الآخر فيما يتعلق بتأثيرات تغير المناخ، لكنه سيظهر أن العالم اليوم في منطقة مجهولة من حيث ارتفاع مستوى سطح البحر والغطاء الجليدي؛ كما سيؤكد درجة الإلحاح اللازمة من الحكومات لتكثيف العمل المناخي".

مما سبق يمكنني أن الخص المستقبل المناخي لعالمنا في النقاط التالية:

أولا: إن ما يشهده العالم من فيضانات وحرائق لم يعهدها، وحالات جفاف، وانهيارات وغير ذلك من الأحوال الجوية المتقلبة ستتفاقم مع استمرار ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية.. ومع أن جميع سكان الأرض سيلحقهم الأذى والضرر فبالرغم من ذلك ستكون المجتمعات الفقيرة والمهمشة حسب تعبير (العنصرية البيئية) الوارد في تقرير الأمم المتحدة هم الأشد تضررا، وسيلحق بهم تغير المناخ خسائر لا يمكن تلافيها.

ثانيا: تؤكد الأبحاث والدراسات أن العالم بحاجة إلى خفض انبعاثاته إلى النصف على الأقل بحلول عام 2030، والوصول إلى صافي الصفر بحلول منتصف القرن لمنع أسوأ آثار تغير المناخ.

ثالثا: يمكن القول إن انعدام الأمن الغذائي الحاد آخذ في الازدياد فقد كان ما يقرب من 750 مليون شخص على مستوى العالم يعانون من انعدام الأمن الغذائي في عام 2019، وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 121 مليون شخص قد دفعوا إلى مستويات مماثلة من المخاطر بسبب كورونا.. ومن المتوقع أن يزداد هذا بسبب آثار تغير المناخ على النظم الغذائية العالمية وإنتاج المحاصيل.

رابعا: لابد من التوقف عند قضية الإنتاج الزراعي وارتباط ذلك بالتغير المناخي حيث يواجه المزارعون وأصحاب المزارع الصغيرة بشكل متزايد الآثار التراكمية للجفاف والفيضانات وموجات الحر وحرائق الغابات، فضلاً عن آفات المحاصيل والأمراض.. وإذا لم تنتبه دول العالم يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى انخفاض المحاصيل على مستوى العالم بنسبة أكثر من 30 % بحلول عام 2050، وإذا أدى تناقص الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار، فقد يواجه ما لا يقل عن 50 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، وهذا ما يحذر منه تقرير الأمم المتحدة بوضوح.

خامسا: هناك إشكالية حقيقية عند النظر لهذا الملف، وهي تباين نظرة الدول تجاه "التغير المناخي"، فبعضها يراها معضلة وجودية، والبعض الآخر يعتقد أنها غير ذات قيمة وأنا أرى هنا انه لابد من كبح التغير المناخي مع استمرار النمو السكاني وزيادة الانبعاثات مع استشعار ضرورة الوصول إلى حلول ناجعة وفق منظور أممي تُغلب فيه مقومات الحياة واستدامتها على أساس أنها قضية دولية.

في خلاصة الأمر يبقى السؤال الذي يمكن طرحه في هذا الإطار هو ما إذا كنا نحن البشر سنترك حالة الطوارئ المناخية الحالية تتقدم وتقطع شوطاً طويلاً بحيث أنها إما تقضي على الجنس البشري ومعظم أشكال الحياة على هذا الكوكب أو أنها ستعطل حياة البشر بشدة؟

وأقول هنا إن استجابتنا في السنوات القليلة المقبلة لهذا التحدي ستقرر مصيرنا بالرغم أنه وللأسف فإن معظم دول العالم تبدو عاجزة مسبقاً عن التعامل مع قضية التغير المناخي الذي يبدو في الأفق أن حربه على البشرية لن تكون أقل من تلك الحرب التي يشنها فيروس كورونا على عالمنا.