تَوالى انسحاب حركات سياسية تقليدية من الانتخابات البرلمانية المقبلة المزمع عقدها في شهر أكتوبر القادم. بررت هذه الحركات انسحاباتها بخيبتها من فشل الإصلاح والتغلغل المتزايد للفساد وسوء الأداء وعدم تهيئة الشروط اللازمة لإنجاح هذه الانتخابات.

تبدو هذه أسباباً نبيلةً للانسحاب من الانتخابات، لكن المشكلة الاساسية هنا ليست في الاسباب، بل في من يستخدمها، أي في هوية المنسحبين، إذ هم كلهم، باستثناء الحزب الشيوعي العراقي الذي تبدو أسباب انسحابه متسقة مع سجله السياسي المعارض، كانوا وما يزالون، جزءاً اساسياً من السلطة التي تشكلت بعد 2003 وقادت العراق الى خرابه الحالي.

وبغض النظر عن الحجم الحقيقي لمساهمة المنسحبين في صناعة هذا الخراب الذي تشاركت فيه حركات سياسية اخرى، ربما بأحجام أكبر وما تزال في السباق الانتخابي، فان كامل مشهد الانسحابات هذه يؤشر ازمة عميقة في النظام السياسي الذي هيمنت عليه وإدارته هذه الحركات، المنسحبة من الانتخابات والمشاركة فيها، وعبره تحولت الى إقطاع حزبي قوي متمترس في مؤسسات الدولة ويوظفها لخدمة مصالحه وليس الصالح العام الذي من أجله تشكلت هذه المؤسسات اصلاً ومن خدمته تستمد شرعيتها.

جوهر هذه الأزمة هي أن هذه الانتخابات مقلقة، لكل قوى الإقطاع الحزبي، سواء المشاركة فيها أو المنسحبة او المترددة او الساعية لتأجيل هذه الانتخابات، إذ هي لا تجري ضمن الظروف التقليدية التي اعتادت عليها هذه القوى وعبرها ضمنت لها حصة دائمة في السلطة. استندت هذه الظروف إلى ثلاثة شروط تعتبرها هذه القوى ضرورية لاستمرار هيمنتها على السلطة، والتحكم عبرها بالدولة ومواردها.

يمكن تلخيص هذه الشروط بـ؛ أولا: وجود قانون انتخابي مصمم لصالح إعادة انتخاب هذه القوى من خلال صيغة سانت ليغو المُشوهة لحساب الأصوات الانتخابية التي اعتمدها هذا القانون؛ وثانياً: هيمنة هوية مكوناتية لدى جمهور واسع ومنقاد نسبياً، يشعر، حتى مع خيباته بطريقة ادارة السياسة، أن هذه القوى تمثله في آخر المطاف في معادلة السلطة القائمة على التحاصص الطائفي والعِرقي؛ وثالثاً: توفر موارد مالية ومؤسساتية كافية لدى هذه القوى لاستخدامها في المواسم الانتخابية لتقديم الإغراءات المادية اللازمة لشراء أصوات الناخبين المترددين، أو الدخول بعمليات تزوير.

أطاحت الأزمة المالية التي أصابت البلد، خصوصاً مع جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط بالشرط الثالث إذ شحت كثيراً الأموال والموارد التي بإمكان هذه القوى الحصول عليها من مؤسسات الدولة التي تهيمن عليها، وبالتالي وجدت نفسها عاجزة عن تسيير عجلاتها الانتخابية باليُسر المالي الذي كان متاحاً لها سابقاً.

لكن الأهم هنا هو ما فعلته احتجاجات تشرين عندما أطاحت بالشرطين الأول والثاني، فإصرار المحتجين على قانون انتخابي جديد عادل، مدعوماً بتأييد المرجعية الدينية في النجف، هو الذي اضطر البرلمان العراقي، العام الماضي، لتشريع القانون الحالي ذي الدوائر المتعددة الذي مرره البرلمان العراقي العام الماضي.

برغم بعض عيوبه الواضحة، يُعتبر هذا القانون خطوةً هائلةً إلى الأمام مقارنةً بالقانون السابق الأقربِ للفضيحة منه إلى أي شيء آخر، إذ ينزع القانون الجديد هيمنة زعماء الأحزاب على النواب المنتخبين، ويربطهم، بدلاً من ذلك، بجمهور مناطقهم الانتخابية وحاجات هذا الجمهور الفعلية. بالتالي سيساهم هذا القانون، إذا طبق على نحو صحيح نسبياً، في تفكيك التكتلات الطائفية والعرقية الكبرى التي صنعت محاصصاتها الكثير من الخراب الحالي.

يبدو واضحاً انه مع اقتراب موعد الانتخابات والدخول الأكثر في تفاصيلها التقنية المعقدة، تكتشف الكثير من الأحزاب التقليدية المهيمنة على السلطة صعوبةً في العثور على شخصيات محلية ترشحها وتدعمها يمكن للجمهور المحلي أن ينتخبها، وفي نفس الوقت تتمتع هذه الشخصيات بثقة هذه الأحزاب.

السبب الآخر لهذه الصعوبة الكبرى التي تواجهها هذه الأحزاب هو التفكيك المهم الذي قامت به احتجاجات تشرين لمعنى السياسة في البلد من خلال تحويله من فهم هوياتي، على أساس الهوية المذهبية أو العرقية للفاعلين السياسيين، إلى آخر براغماتي، على أساس الأداء السياسي لهؤلاء الفاعلين في منظومة الحكم. سَبَقت بداياتُ هذا التحول، من الهوياتية إلى البراغماتية، احتجاجاتِ تشرين (أكتوبر)، لكن الاحتجاجات سَرَّعَت هذا التحول ورَسَّخَته وفَرضَته، بقوة المنطق وحكم الواقع، على أجندة السياسة وتفكير المجتمع.

إزاء سجل الأداء الكارثي للأحزاب التقليدية في إدارة الدولة، والذي اعترفت هي ببعضه، سيكون صعباً عليها إقناع معظم الجمهور المحلي بإعادة انتخاب مرشحيها، ولذلك ستلجأ الكثير من هذه الأحزاب، خصوصاً في المناطق التي تقطنها غالبية شيعية، إلى ذات الأساليب القديمة من محاولات تزوير ورشاوى انتخابية ووعود مُبالغ بها يستحيل تنفيذها، فضلاً عن أساليب جديدة من خلال التخفي وراء واجهات إصلاحية واحتجاجية.

في حال حصول مشاركة شعبية كبيرة في الانتخابات، وهو ما يقلل كثيراً من إمكانيات التزوير ويخفف من تأثير الرشاوى الانتخابية المعتادة، والتزام المفوضية بتطبيق مهني لكل فقرات القانون الانتخابي، وبينها إعلان نتائج الانتخابات خلال 24 ساعة بعد انتهائها (إحدى مسارات التزوير الكبرى في الانتخابات السابقة كانت تحدث في الفاصل الزمني الطويل بين انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج)، فعلى الأغلب ستضعف كثيراً قبضة الاحزاب التقليدية على البرلمان القادم.

حتى مع عدم وجود بديل سياسي متماسك لهذه الأحزاب، بسبب مقاطعة معظم قوى حركة الاحتجاج التشرينية للانتخابات، فإن إضعاف قبضتها على البرلمان يمكن أن يكون مقدمة لحركة إصلاح جدية، خصوصاً إذا استطاعت قوى الاحتجاج إعادة تنظيم نفسها احتجاجياً لتواصل ضغطها الشعبي المهم باتجاه الإصلاح الحقيقي بعيداً عن الإصلاح الترقيعي للأحزاب التقليدية المهتم بشراء الوقت وتزويق القبح وليس تغيير الوقائع السيئة.

من الصعب التكهن الدقيق نسبياً بنتيجة الانتخابات المقبلة بسبب كل هذه المتغيرات الكثيرة والكبيرة بخصوصها التي لم تُختبر في الواقع، لكن من الواضح أن الأحزاب التقليدية تشعر بفقدانها الاطمئنان القديم بأن احتفاظها بالسلطة مضمون وراسخ ويكاد يكون اوتوماتيكياً. تزعزعُ الثقة هذا هو أحد النتائج الكثيرة لحركة احتجاج تشرين وتضحياتها الشجاعة.