في مقالنا السابق انتهينا إلى أن إيران تبدو هي الطرف الأقوى في مفاوضات فيينا حول إعادة إحياء الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في 2018 وهي من يضع شروطه ويفرض كلمته ويرفع سقف مطالبه ويرفض تقديم أي تنازلات.

في الجانب الأخر بدت بقية الأطراف المفاوضة والتي تمثل دولا لها وزنها في الساحة الدولية، وكأنها تقف كلها عاجزة أمام إيران، وكانه لا أحد يستطيع ردعها أو دفعها إلى قبول اتفاق عادل لا يراعي فقط مصالح أطرافه ولكن يراعي مصالح ويهدأ مخاوف دول المنطقة المتضررة من سلوكها.

لذا كان طبيعيا أن تنتهي ست جولات من هذه المفاوضات التي بدأت في إبريل بنفس النهاية، وهي الاتفاق على عقد جولة جديدة، وها نحن الآن على مشارف جولة سابعة، وهي بنسبة كبيرة لن تكون الجولة الأخيرة، خاصة أنه يبدوا جليا أن الطرف الإيراني يلعب على مسألة كسب الوقت وإطالة أمد المفاوضات لأطول فترة ممكنة بهدف فرض أمر واقع يصعب تغييره على بقية أطراف المفاوضات.

ظني أن هناك خللا بنيويا في طبيعة هذه المفاوضات من البداية هو الذي أوصلها لهذه النتيجة، وهو ما جعل إيران تتلاعب بها وتماطل فيها بهدف كسب الوقت وفرض الأمر الواقع، وهذا الخلل في تقديري يعود إلى أن نفس الأطراف التي تفاوضت على اتفاق 2015 هي نفسها التي تتفاوض على إعادة إحيائه، بنفس مواقفها ونفس دوافعها ونفس مصالحها دون تغيير يذكر، إذن فالمتوقع هو حتى إن انتهت المفاوضات في أمد قريب أو بعيد، فلن تخرج باتفاق يختلف كثيرا عما توصلت إليه نفس الأطراف المتفاوضة في 2015.

إذن هناك حاجة ماسة إلى إصلاح هذا الإطار التفاوضي لكي يخرج بصيغة تختلف عن الصيغة المعيبة التي ظهرت قبل نحو ست سنوات، من خلال منظور أكثر واقعية، ليس من خلال منظور الاتفاق النووي فقط، بل من خلال كل أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، التي لا تشكل تهديداً للمنطقة فحسب بل للعالم أجمع، وإصلاح هذا الإطار التفاوضي يبدأ بإشراك أطراف أخرى في المفاوضات، وأعني هنا دول المنطقة التي تضررت ولا زالت تتضرر من سلوك النظام الإيراني.

فوجود هذه الدول في المفاوضات هو الكفيل بإنهائها باتفاق جديد شامل وعادل ويراعي مخاوف جميع الأطراف لا مصالح طرف واحد، اتفاق يعالج مجمل تهديدات إيران وليس فقط ملفها النووي ويجبرها على تغيير سلوك نظامها، فما أفشل اتفاق 2015 وأوصله إلى هذا المصير الذي انتهى إليه هو أن من تفاوض حوله كانت الأطراف المستفيدة منه وليست الأطراف المتضررة منه ومن سلوك إيران ومشروعها التوسعي.

فدول أوروبا الرئيسية التي شاركت في عملية التفاوض نظرت إلى الاتفاق على أنه فرصة اقتصادية بالأساس، فإيران لم تشكل بالنسبة لها أي تهديد، لذا بذلت محاولات يائسة لإنقاذ هذا الاتفاق المعيب للإبقاء على تعاونها الاقتصادي مع إيران وإنقاذ استثمارات شركاتها هناك، وفي واشنطن كانت لدى أوباما وإدارته مقاربة مثالية ساذجة للتعامل مع الخطر الإيراني تعتمد بالأساس على "احتواء إيران" ومن ثم كان يرى أن توقيع اتفاق تاريخي معها يمكنها أن يجعلها أقل خطراً.

إذن.. كانت هناك أطراف مستفيدة من اتفاق 2015 سعت لتبريره وقتها وسعت لإنقاذه وقت أن قررت إدارة ترامب الانسحاب منه، لذا تفاوضت سريعاً لإنجازه للانتقال لحصد مكاسبه، ولعل هذا ما أدى في النهاية إلى "تمزيقه" دون أن تتحقق أي من الأهداف المبتغاة من إبرامه.

هذه الأطراف نفسها هي التي تتفاوض الآن في فيينا دون تغيير يذكر في مواقفها، لذا فلن نتوقع تغييرا يذكر عن المنتج الذي ظهر في 2015، وإذا كان المجتمع الدولي بالفعل جاد في الوصول اتفاق جديد يسعى لمعالجة مجمل السلوك الإيراني المزعزع لأمن واستقرار المنطقة وليس فقط برنامجها النووي، فإن المنطق يقتضي أن تشارك في الحوار والمفاوضات حول هذا الاتفاق دول المنطقة المتضررة من هذا السلوك وهي كثيرة، وفي تقديري أن هذه الصيغة التفاوضية التي تصبح فيها الأطراف المتضررة جزءا رئيسا من المعادلة هي وحدها الكفيلة بالوصول إلى اتفاق عادل يراعي مخاوف جميع الأطراف وليس فقط مصالح طرف واحد.