أول رسالة مباشرة يتم قراءتها في أية انتخابات، هي نسبة المشاركة في عمليات الاقتراع، ذلك أنها مؤشر القياس الأساسي لمزاج الرأي العام.

والرأي العام في إيران قال كلمته بشكل واضح وحازم وشامل، معبراً عن عدم ثقته بالمنظومة الحاكمة، وعدم ثقته بآليات الترشح والاقتراع، وعدم ثقته أصلا بجدوى الانتخابات وما يصدر عنها في إحداث أي تغيير في راهن الإيرانيين ومستقبلهم.

الإيرانيون باتوا يدركون أن القرار الحقيقي في بلدهم تتخذه منظومة تحكُّم لا تتأثر بنتائج أي انتخابات رئاسية. وسواء كان رئيس الجمهورية معتدلا أو إصلاحيا اسمه علي أكبر هاشمي رفسنجاني أو محمد خاتمي أو حتى حسن روحاني، فإن القرارات الاستراتيجية الكبرى تصدر من مكان آخر.

وفق دستور البلاد وأعرافه، فإن عقيدة الدولة، وعلاقاتها مع العالم، ودور نظامها، وسياسات البلد في الدفاع والأمن والتسلح (النووية والصاروخية)، واستراتيجية تصدير الثورة (الخليج، العراق اليمن سوريا لبنان.. إلخ)، كما علاقات إيران مع المنطقة والعالم تقررها مؤسسات الدولة (وليس الحكومة) بقيادة مرشد الثورة علي خامنئي. وعليه اعتكف الناخبون.

نسبة المشاركة في الانتخابات وصلت إلى حوالي 48 بالمئة وفق ما أُعلن رسميا (وسنهمل هنا نسب أوردتها جهات معارضة تتحدث عن 10 بالمئة فقط). فاز إبراهيم رئيسي بنسبة بلغت حوالي 62 بالمئة من مجموع المقترعين (حوالي 28 مليونا)، بما يعني أن رئيس الجمهورية الجديد حظي بثقة 30 بالمئة فقط من نسبة عدد الناخبين المسجلين (حوالي 59 مليونا).

وفق ذلك فإن 70 بالمئة من الناخبين الإيرانيين لم يختاروا رئيسي رئيسا، إما بالتصويت لمنافسيه وإما بعدم المشاركة في العملية الانتخابية وهو أمر يُعد في حد ذاته اقتراعا.

على نحو غير مسبوق في تاريخ إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية قاطع الإيرانيون الانتخابات الرئاسية في بلدهم بنسبة قياسية تاريخية. كان الرئيس الروحاني قد استبق الحدث بالتنبيه إلى محاذيره. قال الرجل بعد صدور اللائحة النهائية للمرشحين إن "جوهر الانتخابات هو المنافسة، إذا حذفتم ذلك، تصبح جثة هامدة".

استنتج الإيرانيون أمر تلك "الجثة" بسهولة فآثروا الإعراض عن التورط في ارتكاب "الجريمة"، ذلك أن نتائج الانتخابات مقررة سلفا منذ أن أعلن مجلس صيانة الدستور أسماء المؤهلين لدخول السباق الانتخابي.

أزاح المجلس (المناط به النظر في أهلية المرشحين) على نحو فاضح كل المرشحين الذين قد يشكلون منافسة للمرشح الفائز أو تهديدا لحظوظه.

اكتشف أعضاء المجلس أن محمود أحمدي نجاد، الذي شغل منصب الرئاسة لولايتين، وعلى لاريجاني، الذي ترأس مجلس الشورى لمدة 12 عاما، واسحق جاهنغيري، النائب الأول لروحاني ليسوا مؤهلين لخوض المنافسة.

لم يجد الإيرانيون في أمر الانتخابات هذه رهانا أو عروضا بإمكانها دفعهم وحثهم ليكونوا جزءا في عملية ديمقراطية يغير حضورهم داخلها شيئا.

لم تكن العملية الانتخابية في إيران يوماً عملية حرة تتيح الترشح المفتوح بكل حرية. جرى دوما وضع موانع تتيح لهذا وتحرم ذاك من دخول السباق وفق فتاوى قانونية كيفية تتوافق مع مصلحة نظام الولي الفقيه.

بيد أن منظومة الحكم استطاعت طوال العقود الأربع الماضية التعبير عن قدرة على إدارة التعايش بين المنابر والتيارات على النحو الذي يقترح على الناخب باقة من الوجوه المختلفة والمتعددة تاركة لصناديق الاقتراع إخراج من يجده الرأي العام مناسبا. بيد أن هذه المرة لم يترك للناخب الخيار.

مأزق ما فرض على النظام السياسي في إيران عدم الحرج من فرض مرشحه وعدم السماح بحصول مفاجآت انتخابية ليست في الحسبان. لم تجر عملية الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، بل لانتخاب إبراهيم رئيسي بالذات دون غيره.

مأزق ما يجبر النظام السياسي على الخروج للإيرانيين والعالم بواجهاته الحقيقية المباشرة دون الحاجة إلى رموز تجميلية تحمل ألقاب "المعتدل" أو "الإصلاحي" في منصب رئاسة الجمهورية.

على هذا بات معسكر وحيد يحكم إيران. مؤسسات الحرس الثوري والجيش والأمن، السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تجتمع كلها بقيادة مرشد الجمهورية علي خامنئي لإدارة البلاد دون أي تعددية دون أي تباينات.

والأرجح أن في الأمر ضرورات داخلية تتعلق في ما يُعد لخلافة خامنئي أو في حسابات التمترس الجماعي لانتشال نظام الولي الفقيه من مأزق يتهدد وجوده وبقاءه.

خرج الإيرانيون عام 2015 يعبرون عن فرحهم بالتوصل إلى اتفاق فيينا النووي الشهير ذلك أنه يعيد وصل إيران مع العالم، ويفتح أبواب البلد أمام البحبوحة والازدهار.

يتم هذه الأيام التفاوض في نفس المدينة لإعادة الروح لهذا الاتفاق، فيما يُخرج نظام طهران من صناديق الاقتراع رئيسا تسبقه سمعة سيئة في قضايا متعلقة بحقوق الإنسان وتفرض الولايات المتحدة عليه عقوبات في هذا الصدد.

لا خبر مفاجئ في انتخاب رئيسي ربما أن الخبر الحقيقي هو في حجم مقاطعة تلك الانتخابات بصفتها موقفا جماعياً يستحق درسا وتمحيصا ومتابعة مستمرة.

تستنتج واشنطن أن "الإيرانيين حرموا من حقهم في اختيار قادتهم في عملية انتخابية حرة ونزيهة". أدرك الإيرانيون ذلك تماما فمارسوا الحرد الكبير.