يكثر خلال هذه الساعات في الاعلام الأميركي الإشارة إلى مصطلح Bidenomics ومصطلح "بيدنوميكس" هذا يشير إلى المبادئ الاقتصادية التي تستند إليها السياسات الاقتصادية لإدارة بايدن ويمكننا أن نقول إنه مصطلح متنقل يجمع بين اسم الإدارة الرئاسية و"الاقتصاد".

وليس هذا المصطلح جديدا في السياسة الأميركية فقد تم استخدام مصطلحات مماثلة لمناقشة اقتصاديات رونالد ريغان باسم "ريغانوميكس" وباراك أوباما باسم "أوبامانوميكس".

لكن اللافت في ولاية بايدن ظهور الاستخدام المبكر في وكالة "الأسوشيتد برس" بعد أسبوع واحد فقط من فوز بايدن في انتخابات 2020.

في شهر أبريل الماضي، وبعد أن أقرت الإدارة قانون تحفيز بقيمة 1.9 تريليون دولار وبدأت في اقتراح برامج إنفاق اقتصادي إضافية واسعة النطاق، انطلقت في واشنطن سلسلة من التقييمات الصحفية لفحوى هذا المصطلح وتداعياته على سير الاقتصاد الأميركي مستقبلا، كان من أهمها ما قاله بول كروجمان، الحائز على جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية، في نيويورك تايمز من أن "بيدنوميكس" مثله مثل المذاهب الاقتصادية القديمة وكأنه يرد على من قال بأن بايدن إذا نجح، فإنه كرئيس سيلقي 40 عاما من العقيدة الاقتصادية على ركام التاريخ، لكن مايكل هيرش، الصحفي ذائع الصيت، رأى أنه قبل عام واحد فقط، كان يُنظر إلى جو بايدن على أنه شخص متقدم في السن وإن كان محبوبًا وكان ادعاؤه الرئيسي لرئاسة الولايات المتحدة أنه لم يكن دونالد ترامب، لكنه اليوم وفي خطاب ألقاه في 27 مايو في "كلية مجتمع كاياهوغا"، في كليفلاند قام بعرض الميزانية البالغة 6 تريليون دولار وتحدث عن "إنشاء نموذج جديد" يشمل "إحياء الطبقة الدنيا المحاصرة في أميركا بمزيج من مقترحات التعليم والرعاية الصحية والضرائب الرئيسية"، وتحدث عن علامة تجارية جديدة في السياسة الصناعية والقومية الاقتصادية التي ستدفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى تجاوز الصين وغيرها من المنافسين الصاعدين.

وهنا يرد التساؤل.. هل يقوم مصطلح ومشروع "بيدنوميكس" على أساس أن بناء الاقتصاد من الوسط هو المفهوم الأكثر إمكانية في السياسة الحديثة التي ينتهجها الاقتصاد الأميركي؟

من خلال متابعتي هنا في واشنطن للمواقف حول هذا التساؤل تحديدا، استوقفني ما كتبه بول كونستانت في موقع Civic Ventures وفي عموده هذا الأسبوع حيث شرح كونستانت كيف تبنى الرئيس بايدن نظرية الوسطاء للنمو الاقتصادي وأن فرضية الخطة تقوم على أن النمو الاقتصادي يكون أقوى عندما تكون الطبقة الوسطى أكثر استقرارًا وازدهارًا، ذلك أنه وفي الحادي والثلاثين من مارس، ألقى الرئيس بايدن خطابًا اقتصاديًا يمثل خروجًا تامًا عن النموذج الاقتصادي السائد في الأربعين عامًا الماضية. وفي الخطاب وضع بايدن رؤية اقتصادية لأميركا كانت تفنيدًا واضحًا لنظرية الاقتصاد الليبرالي الجديد التي روجت لها قديما إدارة ريغان، وقبلتها كل إدارة رئاسية تالية، ديمقراطية أو جمهوريًة، حتى نهاية عهد ترامب على أنها حقيقة.

كلنا في الولايات المتحدة استوقفنا هذا الخطاب الذي قدم فيه بايدن فهماً جديداً لما أصبح يتردد في الصحافة الأميركية تحت مسمى "مكان خلق الرخاء الأميركي" في ذلك الخطاب الذي أعلن فيه بايدن عن فواتير البنية التحتية، وخطة الوظائف الأميركية وخطة العائلات الأميركية، وصف اقتصاد بلاده بقوله "سنعمل فيه جميعًا بشكل أفضل عندما نعمل جميعًا بشكل جيد. لقد حان الوقت لبناء اقتصادنا من الأسفل إلى الأعلى ومن المنتصف".

نعم.. إن المتابع لاقتصاد أميركا لابد عليه أن يعترف أن خطاب بايدن هذا يعتبر انفصالًا تامًا عن الماضي، كما أنه في احتضانه "للاقتصاد المتوسط"، كان يقف إلى جانب الجناح الشعبوي والليبرالي للحزب [الديموقراطي] وأن "إدارة بايدن هي الإدارة الأولى التي تؤمن فعليًا أن إطار العمل النيوليبرالي خاطئ وتقدم خطابًا مضادًا وأجندة جديدة"، فكل الرؤساء الأميركيين منذ أوائل الثمانينيات كانوا يكررون عبارات مثل: "إذا رفعت الأجور، ستحصل على وظائف أقل"، و"إذا قمت برفع الضرائب، فسوف تقتل الأعمال"، و"إذا وضعت لوائح، فسوف تخنق النمو الاقتصادي"، واليوم وبعد أربعة عقود، يمكن لأميركا أن تعلن رسميًا أن التجربة فشلت فشلا ذريعًا وأن الوقت قد حان لفكرة جديدة وأن الرئيس بايدن يراهن على اقتصاديات متوسطة الدخل لتغيير هذا الاقتصاد.

الرئيس بايدن يقول في كل مناسبة إن أميركا لا يمكنها أن تنجو من "هذا النوع" من عدم المساواة الاقتصادية الذي نعيشه اليوم، وأن هذا الإجراء الجذري ضروري لإصلاح الاقتصاد قبل فوات الأوان.. وهذا يعني أن خطة "بيدنوميكس" تسير على قدم وساق وإن خطة بايدن التحفيزية البالغة 1.9 تريليون دولار و"خطة الوظائف الأميركية" هي أكثر من مجرد فواتير إنفاق بل هي علامة على حدوث تحول في سياسة أميركا.

اليوم في واشنطن كثير من نواب الكونغرس وحتى من بعض الأميركيين يرددون أن الأمة الأميركية تنتقل في هذه المرحلة من ما يسمى بـ"ترامبونوميكس" Trumponomics ويعني "اقتصادا غير منظم تقوده التخفيضات الضريبية عبر الأمل أن تتدفق أرباح الشركات الكبرى إلى بقية الاقتصاد"، إلى "بيدونوميكس"، والذي يعني "اقتصادا أكثر تنظيماً مدفوعًا باستثمارات عامة واسعة النطاق مدفوعة بفرض الضرائب على الشركات الكبيرة".

واليوم يعلل بايدن أسباب مكانة أميركا في العالم عبر قوله: "شيء واحد: براعتنا الاقتصادية.. يجب أن نكون رقم 1 في العالم لقيادة العالم في القرن الحادي والعشرين".

قد تنطلق استراتيجية "بيدونوميكس" في يونيو مزهوة بكثير من الاستطلاعات التي ترجح النجاح المذهل لها، فقد أظهر استطلاع أجراه مركز الأبحاث الأميركي "بيو"، أن الرئيس جو بايدن أعاد تلميع صورة بلاده في الخارج بعدما شُوّهت في عهد سلفه دونالد ترامب.

بحسب المركز، الذي شمل استطلاعه كندا و15 بلداً في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ، اعتبر 62% ممن شملهم الاستطلاع أن لديهم "صورة إيجابية" عن الولايات المتحدة في العام 2021، علماً أن نسبة هؤلاء كانت 34% فقط في نهاية عهد ترامب. واعتبر 75% ممن شملهم الاستطلاع، أن بايدن سيتّخذ "الخيارات الصائبة في قضايا العالم"، وهي نسبة تشكّل قفزة كبيرة مقارنة بـ17% أبدوا ثقتهم بترامب على هذا الصعيد العام الماضي، فيما رأى 77% أن بايدن "مؤهل" لتولي سدة الرئاسة في مقابل 16% لسلفه.

ووفق الاستطلاع، أبدى 89% تأييدهم لعودة الولايات المتحدة إلى كنف منظمة الصحة العالمية، كما أيّد 85% عودة البلاد إلى اتفاق باريس للمناخ. وفي ما يتعلق بمستقبل العلاقات بين واشنطن وحلفائها، رأى 57% أن الأمور ستبقى "على حالها" فيما اعتبر 39% أنها ستشهد تحسناً.. وفي كل هذا يبقى خيار " بيدونوميكس" الخيار الاقتصادي الذي سيزيح عن أميركا أخطاء 40 عاما كانت ستجعل من الاقتصاد الأميركي المارد الذي لا تمكن مواجهته.