على مدى الأيام القليلة الماضية تسارعت الأحداث العراقية وتصاعدت حدتها، لتضع قوى مختلفة على درب التصادم مع قوى أخرى: الدولة بإزاء المحتجين، الحكومة بإزاء الحشد الشعبي، والقوى السياسية المتنفذة بإزاء بعضها الآخر منفردةً تارةً، ومجتمعةً بإزاء الحكومة تارةً اخرى، فضلاً عن الصراع المعتاد بين المحتجين وخصومهم الميليشياويين، الحشديين منهم أو غير الحشديين.

هذه التصادمات المختلفة، مفيدةٌ أحياناً لمنع تكريس مظالم مؤسساتية وميليشياوية وحزبية فادحة وتطبيع الجمهور على القبول بها كأمر واقع كما في الإفلات المستمر من العقاب عن جرائم ترتكبها جهات حزبية أو ميليشياوية، أو النهب الناتج عن التحاصص الإقطاعي في موارد الدولة، أو "طبخ" قوانين وتمرير إجراءات مصممة لخدمة الصالح الخاص المتعلق بالأحزاب والجماعات المتنفذة في الدولة، بالضد من الصالح العام وتقويضاً له (كما في قانون انتخابات سانت ليغو السابق، وقانون معادلة الشهادات المُعيب الذي مُرر العام الماضي).

منذ عام 2003، اعتاد النظام السياسي العراقي، كدولة وحكومة وأحزاب متنفذة، على صناعة هذه المظالم كجزء بنيوي من ضمان استمرار هيمنة الجماعات السياسية المتنفذة على الدولة ومواردها واحتكارها للسلطة والتحكم بقرارات الحكومة. وبسبب طبيعته المتشظية حيث تعدد مراكز صناعة القرار وتنافسها ما يسهل التنصل عن المسؤولية عن القرارات وتحمل تبعاتها، برع هذا النظام في التغطية على هذه المظالم، إما من خلال التواطؤ عليها بالسكوت الجمعي بين الفرقاء السياسيين، أو الإقرار السريع والخجول بها عند الاضطرار، مع وضع كل العوائق العملية الممكنة لمنع معالجة هذه المظالم وتصحيحها.

هكذا مضى النظام السياسي العراقي "مطمئناً" على رسوخه واستمراره، مع بعض التنازلات الشكلية التي يقدمها مضطراً بين الحين والآخر، إلى أن جاءت حركة الاحتجاج التشرينية في أكتوبر 2019، لتطيح بحس الاطمئنان هذا. التحول السريع والصحيح لهذه الاحتجاجات من حركة مطلبية (خدمات، فرص عمل، مكافحة فساد) إلى حركة إصلاحية (إصلاح جذري للنظام السياسي يؤدي إلى تلبية الحاجات المطلبية وبناء تجربة حكم جدية تمثل مطامح المجتمع، لا مطامح الأحزاب) وضع النظام السياسي والقائمين عليه أمام أزمة وجودية سيكون صعباً جداً عليه تجاوزها.

في هذا الإطار، تحدت قوى الاحتجاج إحدى القيم الأساسية وغير المعلنة التي ضمنت هيمنة الاقطاع الحزبي على مواقع السلطة والنفوذ وهي قدرة الأذرع الميليشياوية والأمنية لهذا الاقطاع على تصفية معارضي هذه الهيمنة من دون تحمل عواقب قانونية أو سياسية. من هنا لم تُكشف حقائق أي من عمليات الاغتيال السياسية الكثيرة التي حصلت منذ عام 2003، وطالت مئات الناشطين والصحافيين، ولم يُقدم أي فاعل للعدالة. لم يكن الأمر بالطبع مرتبطاً بالعجز المؤسساتي عن كشف الفاعلين والوصول إليهم، فجرائم القتل العادية، غير السياسية، كلها تكشف ويقدم فاعلوها للعدالة، وإنما بإرادة سياسية مشتركة ترفض تعقب جرائم الاغتيال السياسي الكثيرة.

هنا تكمن بعض فرادة الاحتجاج العراقي، عبر قدرته على هز ثوابت التواطؤ والصمت الإجراميين التي سادت سلطوياً في البلد منذ 2003. فبعد اغتيال فاعلين احتجاجيين على يد قوى ميليشياوية-سياسية اعتمدت على "اطمئنانها القديم" بأنها ستكون بمأمن من المسائلة، استهدفت قوى الاحتجاج هذه الحصانة السياسية من العقاب، بحملة شعبية-احتجاجية ناجحة بعنوان "من قتلني؟" رافقها تهديد بمقاطعة قوى الاحتجاج الانتخابات المقبلة، قادت في آخر المطاف إلى اعتقال أحد المتهمين الكبار بتنظيم عمليات الاغتيال هذه. كان اعتقال القائد في الحشد، السيد "قاسم مصلح" الأربعاء الفائت عملاً استثنائياَ بكل المقاييس لأنه بداية مشجعة وجريئة لكسر تقليد إجرامي خطير وراسخ في دولة ما بعد 2003. لذلك كان رد فعل الحشد الشعبي، الذي يحتل المتهم فيه منصباً عسكرياً رفيعاً، استثنائياً ايضاً في تحديه الحكومة حد الهستيريا ومحاولته الفاشلة غلق هذا الملف سريعاً جداً، بأي ثمن، وفي نفس يوم الاعتقال بإطلاق سراح الرجل.

بغض النظر عن التحفظات الاحتجاجية بخصوص حكومة الكاظمي وفشلها في مواضع عديدة في حماية المحتجين، فإن ما أقدمت عليه يوم الأربعاء هو فعل تأسيسي وشجاع وصحيح يستحق الدعمين الشعبي والاحتجاجي له، لتقوية موقفها الجريء حتى لا تجد نفسها مضطرة للتراجع أمام الضغوط الهائلة والمتعددة التي تتعرض لها. ليس هذا وقت الغضب على الكاظمي وحكومته، وإنما وقت البناء على الزخم النادر والمهم الذي صنعته عملية الاعتقال هذه من خلال التعبئة والتحشيد والتظاهر لتعقب المزيد من منظمي عمليات الاغتيال المتكررة. ليس الدافع هنا فقط أسباب فردية وأخلاقية مشروعة تتعلق بإنصاف الضحايا، وتأكيد قيمة العدالة المفقودة عموماً في العراق، وإنما أيضاً أهداف إصلاحية ومؤسساتية تتعلق بإنقاذ السياسة من الروح الميليشياوية-الإجرامية التي شوهتها وتحصين أفعال المعارضة بالحمايات القانونية والسياسية التي يشترطها أي نظام ديموقراطي.

ليس هذا وقت تفرج المحتجين على المواجهة المستعرة الآن بين الحكومة والقوى الميليشياوية. هذا هو الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الاحتجاج طرفاً في هذه المواجهة الأخلاقية والإصلاحية والقانونية، ليس دعماً للكاظمي كزعيم سياسي، بل مساهمةً في صناعة عراق مختلف لا يتمتع فيه القتلة بالحصانة من المساءلة القانونية.