في مذكراته التي سماها "مذكرات الدعوة والداعية"، كتب مؤسس تنظيم الإخوان حسن البنا تحت عنوان "هبة شركة القنال": "التقيت البارون دي بنوا مدير شركة القناة بمكتبه في الشركة، وتحدث إلي عن طريق مترجم بأنه رأى البناء (يقصد بناء مسجد الإخوان في الإسماعيلية) وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالي، وهو لهذا يطلب منا رسما ومذكرة للمشروع، فشكرت له ذلك وانصرفت ووافيته بما طلب".

ويواصل البنا حديثه: "ومضى على ذلك شهور كدنا ننسى فيها البارون ووعده، ولكني فوجئت بعد ذلك بدعوة ثانية منه إلى مكتبه فذهبت ورحب بي ثم ذكر لي أن الشركة اعتمدت مبلغ خمسمئة جنيه للمشروع، فشكرت له ذلك وأفهمته أن هذا المبلغ صغير جدا ولم يكن منتظرا من الشركة تقديره".

وهنا أتوقف عن النقل، ويمكن لمن يريد الاستزادة العودة لمذكرات البنا، فما يهمني هنا أنه ليس لديه مشكلة في الحصول على ما سماه "هبة" من شركة قناة السويس لبناء مسجد الجماعة، بل إنه كان يطمع في المزيد من "الهبات"، والغريب أن البنا هاجم من انتقدوا إقدامه على هذا الفعل المشين، ووصفهم بأصحاب "الفقه المعوج" لأنهم تساءلوا: "وهل تجوز الصلاة في مسجد أقيم بتبرعات شركة القناة؟!".

يجسد هذا التصرف قمة "البراغماتية الإخوانية"، وبما أنه قد وقع في عام تأسيس التنظيم فيمكننا بضمير مستريح أن نقول إن البراغماتية، أو لنقل الانتهازية، واحدة من الأسس التي بنيت عليها الجماعة.

الرقص على الحبال

وفي هذا الطريق سار البنا، فكان يبرر كل تصرف انتهازي يقدم عليه أمام أصحابه ويسوق لهم مبررات القبول المدعومة دوما بنصوص دينية، ووقائع ينسبها للنبي محمد الكريم والصحابة الأجلاء، وتاريخ البنا والجماعة زاخر بمواقف انتهازية متنوعة الاتجاهات.

فقد وضع جماعته في خدمة القصر لمواجهة حزب الوفد، ففتحت له خزائن الخاصة الملكية وأعطي الضوء الأخضر ليصول ويجول في طول البلاد وعرضها، وحين ظن أن الوقت قد حان لدخول الوزارة تلقى صفعة أعادت طموحاته خطوات إلى الوراء، فابتلع الإهانة وأقنع اصحابه بأن الوقت لم يحن بعد، وأنهم سيجنون مكاسب عديدة حتى لو لم يحصلوا على مكان في الحكومة، وانطلق يمالئ باشاوات القصر ورجال الحاشية، وكان كلما وجهت لجماعته صفعة عاد حملا وديعا يطلب الصفح، حتى إذا ما تجاوز "المحنة" أشهر الأسلحة في وجوه من قدموا له يد العون، ليقفز من معسكر إلى آخر في خفة لاعب سيرك احترف الرقص على الحبال.

الرقصة الأخيرة

وحين صارت جرائم الجماعة أكبر من أن تخفيها مناوراته السياسية، وجد نفسه وحيدا في مواجهة الجميع، فراح يطرق كل الأبواب طالبا الصفح، وبدأ في تقديم التنازلات.

كان العرض واضحا: "لا بد من تسليم أعضاء النظام الخاص الذين نفذوا جرائم الاغتيالات لتنجو بنفسك يا شيخ حسن"، يفكر حسن البنا ويرد: "لا أستطيع"، ويسرد لمن تبقى من قيادات الجماعة خارج السجن: "لا يمكنني فعل هذا، فقد يقتلونني"، ويواصل المراوغة: "لو عاد بي الزمان لما أقدمت على تشكيل الجهاز السري"، ثم يعرض تقليص حضور الجماعة والالتزام بتنفيذ ما سيطلب منه والابتعاد عن السياسة.

فشلت مناورات البنا وانتهت حياته بمشهد الاغتيال، الذي يرى البعض أن النظام الخاص هو من دبره، أنا شخصيا لا أتفق مع هذا الرأي لكنه يبقى في دائرة الاحتمالات وفق عدد من الباحثين.

على دربه سائرون

وعلى طريقة الـ"فلاش باك" في السينما، وجدتني أستدعي كل تلك المشاهد وغيرها وأنا أتابع وصلة المديح والتودد التي يقودها نظام الإخوان الحاكم في تركيا بقيادة أردوغان تجاه مصروشعبها وقيادتها، فعلى مدار الأسبوعين الماضيين كان الإخواني المأزوم أردوغان يعيد إنتاج مشاهد البراغماتية الإخوانية الراسخة في عقيدتهم السياسية.

فرجب أردوغان يعيش حاليا أزمات مركبة، على المستوى الداخلي تآكلت شعبيته وتراجعت حظوظه في الاستمرار بفعل الأزمات الاقتصادية التي يواجهها، حتى حلفاؤه بدأوا في الانفضاض من حوله، وعلى المستوى الإقليمي أصبح الحصار خانقا، وأحلامه في التوسع وفرض النفوذ هوت وتعرضت لضربات موجعة من شرق المتوسط إلى ليبيا مرورا بورقة المرتزقة السوريين ودعم التنظيمات الإرهابية، إضافة لصراعه مع الأكراد داخل حدود تركيا وخارجها، وعلى المستوى الدولي ينتظر تغيرا متوقعا في توجهات ساكن البيت الأبيض الجديد، وإجراءات إعادة التموضع داخل حلف الناتو، وهو ما سينعكس سلبا على سياساته ودائرة تحركاته.

ببساطة يبدو أردوغان في رقصته الأخيرة عام 2021، تماما كما كان البنا في عام 1949، وها هنا لا توجد فرصة للنجاة إلا تقديم التنازلات وإعادة ارتداء قناع الحمل المسالم، في محاولة لتخفيف الضغوط وتفادي الضربات الوشيكة.

سعى أردوغان للمصالحة مع مصر، وسيسعى للمصالحة مع السعودية والإمارات، وسيقدم دون شك في سبيل ذلك على عرض مزيد من التنازلات، لكن قناع الحمل سيسقط بمجرد أن تتبدل الأحوال ليعود سيرته الأولى، وتلك سنة إخوانية مذمومة.