بدأت حملة، تبدو منسقة، لغسيل الدم عن أيدي قيادات إرهابية في المنطقة وتبييض وجهها وإعادة تقديمها على أنها "تقود نضالا من أجل الحرية". ويلعب "باحثون" (لا أدري عن ماذا يبحثون) و"محللون" (ممن يحللون الحرام) من أصول عربية وتركية في مؤسسات ومراكز غربية دورا رئيسيا في تلك العملية. ويراهن هؤلاء على أن الناس ذاكرتها قصيرة كذاكرة الذبابة، مستفيدين من تغيرات تهب على المنطقة التي أدمتها ودمرتها الحروب.

من لا يذكر الإرهابي الدموي احمد حسين الشرع (المعروف بلقب ابو محمد الجولاني)، زعيم جبهة النصرة امتداد تنظيم القاعدة في سوريا، وحليف ابراهيم البدري (المعروف بلقب أبو بكر البغدادي) وتنظيم داعش الاجرامي. هذا الارهابي وغيره، الذي اولت قناة شهيرة معروفة بأنها صوت تنظيم الاخوان الارهابي الذي خرجت من عباءته كل تلك الجماعات والتنظيمات، تلميعه في حوارات له سبق وأن استجاب لمطلب تركي بأن يغير اسم تنظيمه إلى "هيئة تحرير الشام". وأمل داعموه الاقليميون من رعاة الارهاب وأنصار الاخوان في أن ذلك كفيل بأن يقدموه للقوى الدولية على أنه "معارضة سورية" مشروعة يتعين دعمها ضد الجيش السوري والدولة المركزية في دمشق. لكن التحول الذي حدث في مواقف الممولين للمعارضة السورية تجاوز تلك الخطوة التجميلية ولم يقنع كثيرون في المنطقة بأن الجولاني أو غيره يختلفون عن البغدادي أو الزرقاوي وأمثالهما.

وبعد تغيير اسم التنظيم الارهابي، قرر داعمو الارهاب الآن تغيير مظهره فخرج مؤخرا ليصوره الاعلام الغربي – وبعض الاقليمي – مرتديا بدلة شيك. رغم أن صورته في البدلة الحقيقة لا تختلف عن رموز إيران والإخوان الذين يرتدون الزي الغربي.

وانطلقت حملة علاقات عامة لترويج أن الجولاني وتنظيمه الإرهابي المسيطر على ادلب في سوريا قطع كل علاقته بالقاعدة وداعش وأنه يدير الاقليم بطريقة مختلفة، فقد مسحت الشعارات الارهابيةة من على الجدران في ادلب ويسمح لعمال الاغاثة والاعانة الاجانب من المنظمات غير الحكومية بالعمل في المنطقة، بل إن الجولاني وتنظيمه لا يتشددون في لبس المرأة الخمار ويكتفى بالنقاب والحجاب!! – ما هذا التساهل الارهابي السمح؟!

مؤخرا طلبت مجموعة الأزمات الدولية من الإدارة الأمريكية أن ترفع صفة الارهاب عن تنظيم تحرير الشام وتشجع الجولاني وجماعته على اثبات أنها "شريك" في التسوية في سوريا. وتحدثت "محللة"، من اصل لبناني غالبا، تعمل في المجموعة لوسائل اعلام غربية عن ما رأته من تغيير في ادلب يدل على أن الجولاني وجماعته يقطعون صلتهم بالقاعدة وداعش.

كذلك انبرى "باحثون" أتراك لتصوير الجولاني وجماعته الارهابية على أنهم ربما يكونون في سوريا مثل "طالبان" في أفغانستان. أي أنه على الأمريكان أن يتعاملوا معهم كما هو الحال مع طالبان بوساطة قطرية. وهذا متوقع من تركيا/أردوغان التي بدأت تحول احتلالها لأجزاء من شمال غرب سوريا إلى استيطان دائم وتسعى لأن تكون ادلب جزءا من منطقة نفوذها باعتبارها "الحامي" الرئيسي لجماعات الارهاب هناك وبتفاهم مع الروس.

تعد هذه خطوة متقدمة من جانب الغرب والقوى الاقليمية الداعمة للتطرف والارهاب ابعد من النهج السابق الذي يفرق بين الاخوان مثلا والقاعدة وداعش، مع انهما جميعا واحد. فالآن يجري "تجميل" الارهاب كله تقريبا والدفع نحو اشراكه في السلطة في أكثر من بلد. فقريبا يعود الارهابي من تنظيم القاعدة عبد الحكيم بلحاج ومع أمثاله من تركيا إلى ليبيا ويصبحون جزءا من السلطة هناك. وهذا الارهابي أبو محمد الجولاني يجري اعداده ليكون شريكا في أي تسوية في سوريا. وغدا من يدري من سيظهر في العراق وغيرها من قيادات الارهاب في زي غربي مهندم ونجده في موقع سلطة في بلاد أخرى في المنطقة.

يبقى أن كل هذه الحملات من التزييف والخداع التي قد تساعد قوى اقليمية على تحقيق مصالحها لا يجب أن تخدعنا. فقد سبق واكتوت المنطقة بنيران اشعلتها بنفسها حين دعمت ومولت تلك الجماعات الارهابية وتصورت أن الإخوان ومشتقاتهم الدموية يمكن أن يكونوا "حليفا تكتيكيا" ضد إيران مثلا. وانتهى الأمر بمن فكر وتصرف بتلك الطريقة أنه لا نال من إيران ولا اتقى شر الاخوان وجماعاتهم الارهابية. وأشد ما يخشاه المرء الآن أن يعمل مستشارو السوء مرة أخرى على دفع القوى العتلدة في المنطقة للقبول بعمليات "تجمل الارهاب" تلك وتزيينها باعتبارها "براجماتية سياسية".

لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، أو كما يقول الخواجات "اخدعني مرة عار عليك، تخدعني مرتين عار علي". وهذه لن تكون المرة الثانية ولا الثالثة، انما سنبدو كمن يكرر نفس الفعل وينتظر نتيجة مختلفة.