تكرر كثيرا في الآونة الأخيرة كليشيه "الترامبية باقية بعد ترامب"، أي أن ما فعله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في السياسة الأميركية وصداه حول العالم لن ينتهي بخروجه من البيت الأبيض الشهر الماضي.

هذا في السياسة، وهو صحيح لأن ظاهرة ترامب لم تبدأ من فراغ بفوزه بالرئاسة في 2016 وبالتالي لن تختفي فجأة بمجرد خروجه من السلطة. فالشعبوية السياسية واتجاه فصيل من اليمين السياسي نحو التطرف بعيدا عن "الوسط" بدأ منذ سنوات في أغلب الديمقراطيات الغربية العتيقة.

ولم يكن دونالد ترامب سوى "قمة المنحنى" لصعود هذا التيار الذي يحمل أسماء وتوصيفات مختلفة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

بالطبع كان تأثير ترامب في سنوات حكمه الأربع كبيرا، وشجع مجموعات جديدة على اللحاق بهذا التيار، وأعطاها دفعة هائلة في مواجهة المؤسسة السياسية التقليدية. ومن النتائج الجانبية لذلك ما لاحظناه في تلك الفترة من اهتمام ترامب بأسواق المال والبورصة أكثر من اهتمامه بالاقتصاد الحقيقي، مع تصور أن مؤشرات الأسواق هي معيار الإنجاز وأن ارتفاع السوق كفيل بحل مشكلات الاقتصاد. تلك "الترامبية المالية" – إذا جاز التعبير – كانت شكلا آخر من أشكال الخروج عن "المؤسسة" وكل ما هو تقليدي في الاقتصاد.

وإذا كان ذلك أثار دهشة وحيرة الاقتصاديين فإنه لاقى هوى لدى الأجيال الجديدة الشابة، من جيل الألفية (الملينيالز) وما بعده، ممن لا يفكرون في المستقبل بطريقة أسلافهم. فأغلب أبناء هذا الجيل الجديد لا يفكر في وظيفة وعمل لسنوات طويلة والادخار للتقاعد. ومثل موقفه من المؤسسة التقليدية في السياسة والحكم، فهو أيضا متمرد على الحكمة التقليدية في عالم الاقتصاد والمال.

ولتلبية احتياجات هذا الجيل، انتشرت شركات السمسرة وتداول الأسهم على الإنترنت، ليستخدمها هؤلاء الشباب دون حاجة لطرق التداول التقليدية عبر سمسار في صالة البورصة أو شركة تداول تشتري وتبيع لهم عقود الأسهم. ومع نهج هؤلاء الذي يستهدف الربح الهائل بسرعة، زاد إقبال الأفراد على طرق تداول كانت قبل سنوات محصورة في صناديق الاستثمار الكبيرة، أو ما يسمى "المستثمرين المؤسساتيين" مثل مضاربات البيع القصير، والخيارات، وغيرها.

خلال الأسابيع الماضية اضطربت الأسواق الأميركية، وتردد صدى ذلك في البورصات الكبرى حول العالم، مع حملة ضخمة من هؤلاء المستثمرين الأفراد على أسهم شركات صغيرة ضاربت عليها صناديق استثمار أن ينخفض سعرها. ومع الشراء الكبير ارتفعت أسعار تلك الأسهم وكسب الأفراد وخسر المستثمرون المؤسساتيون.

هل كانت تلك الفورة استهدافا لما هو "مؤسسي" في عالم المال ردا على غياب زعيم استهداف "المؤسسة" في السياسة؟ ليس بالضرورة. والأرجح أنه استمرار للترامبية السياسية في عالم المال والأسواق.

اعتمد ملايين المتعاملين الأفراد في بورصات وول ستريت بنيويورك على منتديات إلكترونية، أشهرها موقع "ريديت" للمحادثة. واستغلت شركات السمسرة الإلكترونية تلك المنتديات لبث رسائل حول الأسهم التي ضاربت عليها الصناديق، ليتوجه جحافل الأفراد على المنتدى لشرائها ورفع سعرها.

وكما كان ترامب في السياسة يعتمد على تويتر وعشرات الملايين من متابعي حسابه على موقع التواصل قبل إغلاقه، يحاول الملياردير إيلون ماسك أن يقوم بدور "ترامب المالي" مستخدما حاسبه على تويتر أيضا. فمع بداية موجة صراع المضاربات، بدأ ماسك الإشارة إلى أسهم شركات غير معروفة في البورصة جيدا لتنقل منتديات المحادثات تغريداته، وينهال ملايين طلبات الشراء من المتعاملين الفرديين على تلك الأسهم وتخسر صناديق الاستثمار التقليدية.

حتى أنه سحب تلك الموجات نحو العملات المشفرة، بدءا من بيتكوين إلى عملة مشفرة أخرى يروج لها إيلون  ماسك هي دوجيكوين. وتكاد تجد هؤلاء الشباب على مواقع المنتديات أشبه بالكتلة الصلبة التي كانت تؤيد دونالد ترامب في السياسة وتعتمد على مواقع يمينية متطرفة تتغذى من تغريدات الرئيس السابق.

طبيعي أن تجد الشباب، وحتى غيرهم، يتلقفون تغريدات إيلون ماسك عن الأسواق والأسهم والعملات المشفرة وغيرها. فهو إلى حد كبير يشبه نجوم كرة القدم الذين يجنون مئات الملايين من اللعب، وتبدو سيرته أقرب لنجوم "الشو المالي" أكثر من مستثمري الاقتصاد الحقيقي. وكيف لا، وقد أصبح ثاني أكبر ثري في العالم بعد رئيس أمازون جيف بيزوس. ففي شهر نوفمبر الماضي قفزت ثروة ماسك من 7 مليارات دولار إلى 128 مليار دولار، مع فورة غير مسبوقة في أسهم شركة تسلا للسيارات الكهربائية التي يملكها.