ليس الأفراد فقط من يتمتعون بذاكرة قصيرة، بل حتى المجتمعات ومن نسميهم "الخبراء". وأقصى ما يخشاه المرء الآن ألا تستفيد البشرية من دروس أزمة وباء كورونا بعد سيطرة العالم على الفيروس وتعودنا على التعايش معه.

مع تقدير المؤسسات الدولية بأن أزمة وباء كورونا ستجعل الاقتصاد العالمي يفقد أكثر من ربعه، وأنها ستمحو نحو 28 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، سارعت الحكومات إلى ضخ التريليوينات في الاقتصاد لمساعدة الأعمال والأسر على مواجهة التبعات الاقتصادية الناجمة عن أزمة وباء كورونا. ولم يبق دولة في العالم تقريبا لم تطرح برامج دعم وتحفيز للاقتصاد من الخزانة العامة ومن البنوك المركزية التي خفضت أسعار الفائدة للصفر وأحيانا بالسالب (مع استثناءات في بعض الدول النامية والصاعدة).

ضخت الحكومات والبنوك المركزية حتى الآن ما يزيد على 10 تريليونات دولار في الاقتصاد. وهو تصرف منطقي من الحكومات التي لا تريد للاقتصاد أن يدخل في كساد طويل الأمد. لكن للأسف، لأن العالم لم يتعلم من الأزمة المالية العالمية في 2008-2009 ولم يعالج اختلالات النظام المالي بشكل جذري، يكرر طريقة العلاج بعمليات "الترقيع" مرة أخرى مع أزمة وباء كورونا.

ما حدث خلال عام الوباء أن أغلب تلك التريليونات لم تذهب للاقتصاد الحقيقي وإنما دخل أغلبها في أسواق الأسهم والمشتقات وأدوات الاستثمار المالي الأخرى. وأدى ذلك إلى غليان غير عاد في أسعار الأصول (الاستثمارية) يسهم في نفخ فقاعة أسواق يمكن أن يؤدي انفجارها إلى أزمة تتجاوز أزمة الوباء والأزمة المالية السابقة.

برامج الدعم والتحفيز المخصصة للشركات والأعمال ساعدتها على تسديد الديون وبالتالي ذهب القدر الأكبر من ذلك إلى سوق السندات، وأيضا التحوط في صناديق لما بعد عمليات الإغلاق وهذا جزء آخر للاستثمار المالي بأنواع الأصول المختلفة. ولم يذهب سوى قدر ضئيل للحفاظ على التشغيل، خاصة في القطاعات التي توقفت أكثر من مرة نتيجة إجراءات الإغلاق للحد من انتشار الوباء.

أما الأموال التي قدمتها الحكومات مباشرة للأسر والأفراد فلم تنعكس على زيادة الإنفاق الاستهلاكي الذي يشكل القدر الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي في أغلب اقتصادات العالم. فمن ناحية، تراجعت منافذ الإنفاق مع تعطل قطعات التجزئة والضيافة والسفر وغيرها. ومن ناحية أخرى سعت الأسر للادخار خوفا من المستقبل في ظل عدم يقين اقتصادي. ولأن أسعار الفائدة متدنية إلى أقصى حد، فلا يلجأ الناس للادخار التقليدي الذي يمكن للحكومات استخدامه كغطاء لتغطية عجز الميزانيات. من هنا ذهب القدر الأكبر من ذلك الدعم إلى الأصول المختلفة من أسهم وسندات وأوراق مالية أخرى وعملات إلكترونية مثل بتكوين.

طبعا يضاف هنا عامل مهم، وهو أنه نتيجة إجراءات الوقاية من فيروس كورونا مكث أغلب الناس في البيوت، يعملون ويدرسون ويتسوقون عن بعد. ووفر ذلك فرصة، من حيث وقت فراغ واستخدام مكثف للإنترنت، كي يستهلك كثير من البشر خدمات المضاربة والاستثمار المالي عبر الإنترنت أملا في تحقيق أرباح عالية بسرعة وبدون أي جهد أو حتى استثمار ثرواتهم الضئيلة في السوق لضمان عائد إذا فقدوا وظائفهم نتيجة الضغط الاقتصادي.

عزز كل هذا توجها كان سابقا على وباء كورونا، وهو أن الأجيال الشابة، مثل جيل الألفية (ملينيالز) وما بعده، تدخل منذ سنوات في أسواق الأسهم بقوة إما نتيجة قلة فرص العمل أو حتى بالتوازي مع العمل بغرض تحقيق الأرباح السريعة والكبيرة لتفادي الاضطرار للعمل الحقيقي. وأصبح حلم أكثر السباب أن يصبحوا وارين بافيت أو إيلون ماسك.

وهذا التوجه من الأجيال الشابة ربما أفاد أسواق المال لتتعافى من أزمة 2008، لكنه حافظ أيضا على ارتفاع قيمة الأصول بأكثر من حقيقتها، ثم جاء وباء كورونا ليرفع درجة الغليان في قيمة الأصل خلال عام بمعدل يوازي ما حدث في عقد قبله. وهنا يتبدى خطر غليان الوباء الذي دفع بالأسواق لتواصل النمو بينما الاقتصادي الحقيقي يعاني الانكماش والركود. ومقابل ركود اقتصادي عالمي بنحو 5 بالمئة في عام الوباء ارتفعت مؤشرات أغلب الأسواق الرئيسية في العالم بما بنسب وصلت إلى 15 بالمئة.

والمأمول ألا يكون غليان الوباء نتيجة سلبية جانبية أخرى لوباء كورونا، بل لعل انفجار فقاعة الأصول تلك تعيد التوازن للنظام العالمي كله. وربما يستفيد منها العالم ليقدم على إصلاحات جذرية للنظام تطال العلل الأساسية بدلا من عمليات المداواة المرحلية الجزئية مع كل أزمة يواجهها.