ليست القضية التي رفعتها الحكومة الأميركية على فيسبوك، والتي قد تدفع الشركة التكنولوجية العملاقة إلى بيع تطبيقي إنستغرام وواتساب لتفادى الإدانة بممارسة الاحتكار، هي الوحيدة التي تعمل عليها جهات تحقيق رسمية ومكاتب ادعاء في عدة ولايات أميركية بشأن شركات التكنولوجيا الكبرى، كما ينتظر أن تنظر المحاكم قضايا مماثلة ضد غوغل وأبل وأمازون وغيرها.

يجري إعداد تلك القضايا قبل أزمة وباء كورونا، التي استفادت منها شركات التكنولوجيا الكبرى مع اضطرار الناس للعمل من المنازل والتعليم عن بعد والتسوق الإلكتروني فزاد استهلاكها لمنتجات وخدمات تلك الشركات.

كما أن الواضح أن الولايات المتحدة بدأت تحذو حذو الاتحاد الأوروبي في مواجهة السلطات "تغوّل" الشركات الكبرى، والتكنولوجيا منها بخاصة الآن.

من بين التأثيرات غير البارزة إعلاميا لأزمة وباء فيروس كورونا، والتي يتوقع أن تصبح حياتنا في المدى القصير والمتوسط، عودة دور الدولة بقوة في الاقتصاد والأعمال وسن التشريعات والقواعد والقوانين المنظمة لمناحي الحياة المختلفة.

وإذا كان البعض جادل هذا العام بأن أزمة وباء كورونا أضرّت بالعولمة، الاقتصادية والسياسية، فالواقع أن العولمة كتوجه أخذ في التراجع حتى من قبل وباء كورونا.

يمكن القول أن من تبعات فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة على مدى أربع سنوات، والتي لن يخفت أثرها بسرعة، إعلاء نبرة القومية والمغالاة في الوطنية على حساب التعاون الدولي والتكامل الاقتصادي، انعكس ذلك في، ونجم عن، إعادة واشنطن النظر في الاتفاقات التجارية والمعاهدات الدولية وعضويتها في منظمات إدارة شؤون العالم.

ثم جاءت أزمة وباء كورونا لتزيد من "توطين" الأعمال نتيجة اضطراب سلاسل التوريد بسبب الاغلاق التام أو الجزئي في كثير من الدول لمكافحة انتشار الوباء.

وعزز ذلك من توجه القوة العظمى الوحيدة، سياسيا واقتصاديا، الذي بدأ قبل سنوات، ووصل العالم إلى مرحلة لن تستطيع التيارات الليبرالية، حتى لو عادت للحكم في دوله الرئيسية، حرفه عنها لفترة ليست بالقصيرة.

وحتى الوسط السياسي التقليدي (يسار الوسط ويمين الوسط) أصبح في وضع تراجع بعد تصاعده في دول المركز والدول المتقدمة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

كما أن تعافي العالم من أزمة الوباء، اقتصاديا وصحيا وأيضا سياسيا، يتطلب زيادة دور الدول في إدارة شؤون المجتمعات على حساب الليبرالية السياسية والحرية الاقتصادية المطلقة.

وربما يكون ذلك تطورا طبيعيا، لأنه منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 لم يتمكن النظام العالمي من إصلاح نفسه بنفسه كما هي الحكمة التقليدية لأنصار التوجه الليبرالي أو المحافظ التقليدي.

ثم إن التنافس العالمي في الفترة المقبلة سيتركز في قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا استخداماتها في اقتصادات الفضاء والتنمية المستدامة عبر تطوير مصادر طاقة نظيفة ومواجهة التغيرات المناخية التي تهدد الحياة على كوكب الأرض.

ويمكن القول إن هذه القطاعات في غاية الحساسية حين يتعلق الأمر بالأمن القومي للدول، وبالتالي لن تتركها الحكومات لقواعد السوق المفتوح والشركات الكبرى المعنية فقط بهدف واحد هو تعظيم الأرباح ولو من خلال انتهاك القواعد والقوانين والضغط على السياسيين لتحقيق أهدافها.

ليس معنى ذلك أن السياسة ستستعيد مقعد القيادة وبشكل متفرد من الاقتصاد والشركات الكبرى ومصالحها، لكنها ستكون مرحلة تطرف في استعادة دور الدولة تعقبها مرحلة توازن بين السياسة والاقتصاد. وهذا ما نشهد بوادره الآن بالفعل، والأهم أن من نتائجه تغيير واضح في شكل العلاقات الدولية والإقليمية وحتى المضمار السياسي-الاجتماعي داخل الدول الوطنية أيضا.

فمنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، شهد العالم نموا في دور "الجماعات" مدعوما بمناخ نهاية الحرب الباردة وبروز ما تسمى "منظمات المجتمع المدني" ومحاولة إعادة النظر في مفهوم السيادة للدول الوطنية، وجاء ذلك متوازيا مع تطور العولمة الاقتصادية، ونال كله من دور الدولة بشكل عام.

لكن الأخطر، في منطقتنا على الأقل، أن هذا التوجه (بروز الجماعات الشركات الكبرى على حساب الدول) أفرز تطرفا وعنفا هدد البني الأساسية للمجتمعات وكاد أن يدمر سبل عيشها.

فقد بدأ تحول جماعات التطرف، المتسربلة بالدين، إلى قوى مهمة على حساب الدول بل إن بعض تلك الجماعات حاول اختطاف دول بالكامل وأخذ في تدمير اخرى ما تزال نيران الحرب الأهلية تأكل فيها حتى الآن.

لذا، ربما يكون في هذا التوجه الجديد نحو عودة دور الدولة بداية نهاية تلك الجماعات أو على الأقل وضعها في إطارها الصحيح بما يحمي مصالح المجتمعات وأمنها وسلامتها.